العدد 6462
الأربعاء 24 يونيو 2026
هلسـنكي الخليج: “دستور أمني إقليمي يتجاوز مذكرة التفاهم”
الأربعاء 24 يونيو 2026

أولاً: لماذا “نموذج هلسنكي” الآن؟
التحدي الحقيقي ليس في التعامل مع المذكرة نفسها، بل في اغتنام الفرصة التي تتيحها لبناء نظام إقليمي جديد، يضع دول الخليج في موقع صانع القواعد، لا متلقي التهديدات.
يمثل توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية (يونيو 2026) لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، لكنها ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة لنظام إقليمي جديد. هذا المقال يقدم رؤية قانونية متكاملة لمبادرة “الأمن الجماعي الخليجي-الإيراني” المستلهمة من نموذج هلسنكي، مدعم بقواعد قانونية جديدة تستند إلى أحدث تطورات الفقه والقضاء الدوليين حتى عام 2026. تهدف هذه القواعد إلى تحويل منطقة الخليج من ساحة صراع تديرها القوى الكبرى إلى فضاء قانوني يدير خلافاته بنفسه، ويحمي مصالحه الجماعية، ويؤسس لأمن دائم لا يقوم على الوعود الأمريكية الهشة، بل على قواعد قانونية راسخة وآليات مؤسسية ملزمة. ليبقى بناء الثقة هي الروح التي تمنح أي إطار قانوني الحياة، وبدونها تبقى النصوص مجرد حبر على ورق. في سياق “مبادرة هلسنكي الخليجية”، لا يمكن الحديث عن أطر قانونية متينة دون معالجة هذا التحدي الجوهري، خاصة في ظل إرث عميق من انعدام الثقة بين دول الخليج وإيران.
نموذج هلسنكي (مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا 1975) ليس مجرد تشبيه سياسي، بل هو إطار قانوني-سياسي فريد، لأنه نجح في إدارة الصراع بين كتلتين متنافستين (الشرق والغرب) دون الحاجة إلى حل جميع الخلافات الجوهرية، وذلك من خلال: الاعتراف بالواقع (حدود ما بعد الحرب) دون المساس بالنزاعات. بناء الثقة التدريجي عبر آليات عسكرية واقتصادية وإنسانية (ثلاثة سلال). عدم الإلزام القانوني الصارم، مع الاحتفاظ بآليات سياسية للرقابة، مما يخفض سقف التهديدات لأطراف مثل إيران التي ترفض أي وصاية خارجية.

ثانيا: الطبيعة القانونية للمبادرة – “إعلان سياسي” أم “اتفاق شبه ملزم”؟
عادة الدول قد ترفض الدخول في معاهدات جماعية ملزمة، فانه يفضل ان يكون في صيغة إعلان سياسي ((Political Declaration يوقعه وزراء خارجية الدول المشاركة، وليس معاهدة دولية تخضع للتصديق البرلماني، ويودع الإعلان لدى الأمم المتحدة كــ “مرفق” لقرار الجمعية العامة، دون اللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق (لتجنب الفيتو الروسي/‏الصيني) ويتم إنشاء “لجنة تنسيق عليا” دائمة تضم ممثلين عن الخليج وإيران، مع إمكانية الاستعانة بـ “فريق خبراء دولي” (من الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة) لتقديم تقارير فنية غير ملزمة، وبالعادة لا تتضمن الإعلانات نص للانسحاب، لكن أي طرف يمكنه تعليق مشاركته في أنشطة معينة، مما يحفظ “البقاء” الرمزي للمبادرة حتى في أوقات الأزمات.

ثالثا: المرتكزات القانونية للإعلان
الإطار القانوني لمبادرة “الأمن الجماعي الخليجي-الإيراني”، يمكنه ان يقوم على قواعد ميثاق الأمم المتحدة، والمادة (4) من النظام الأساسي لمجلس التعاون، والمادة (1) و (3) من اتفاقية الدفاع المشترك (2000) كأساس شرعي للترتيبات الأمنية الإقليمية، حيث يمكن صياغة المبادرة كـ “إطار لإدارة الأزمات ومنع التصعيد” وليس كــ “تحالف تعاوني” مع إيران. وهذا يعني أن الالتزام الدفاعي الخليجي المشترك يبقى ساريا، لكن تضاف إليه قنوات للحوار والتشاور مع إيران لتجنب وقوع أي اعتداء من الأساس.

رابعا: القواعد القانونية الدولية المبتكرة
بناءً على أحدث التطورات في الفكر القانوني الدولي لعامي 2025 و2026، يمكن طرح سبع قواعد نوعية واستراتيجية لمبادرة “الأمن الجماعي الخليجي-الإيراني”، تحويل المبادرة من إطار تقليدي لإدارة الصراع إلى منظومة قانونية استباقية تعيد تعريف قواعد اللعبة في المنطقة.

أولا: مبدأ “المسؤولية تجاه الأجيال القادمة” (Intergenerational Equity) الصياغة المقترحة
“تلتزم الدول الأطراف، بصفتها أمناء على مستقبل المنطقة، باتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الأمن والاستقرار والبيئة للأجيال الحالية والمستقبلة. ويعتبر أي إجراء من شأنه تعريض استقرار المنطقة أو سلامتها البيئية للخطر على المدى الطويل انتهاكا لهذا المبدأ”.
الأساس القانوني والجديد فيه
صدر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2025 فتوى تاريخية بشأن التزامات الدول تجاه تغير المناخ، أكدت فيها أن العمل المناخي ليس خيارا سياسيا بل واجبا قانونيا، وأسست لمبدأ “المساواة بين الأجيال” (Intergenerational Equity)  كأساس لتفسير القانون الدولي.
الجديد المقترح:  لأول مرة، يتم نقل هذا المبدأ من سياقه البيئي إلى سياق الأمن والاستقرار الإقليمي. فبدلا من حصر المسؤولية تجاه الأجيال القادمة في حماية المناخ، يتم توسيعها لتشمل حماية الاستقرار الإقليمي نفسه. وهذا يخلق التزاما قانونيا على الدول بعدم اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة لعقود قادمة، حتى لو كانت هذه الإجراءات “مشروعة” في المدى القصير.

ثانيا: مبدأ “عدم الإضرار بالأمن الجماعي” المستند إلى قاعدة “عدم الإضرار” العابرة للحدود
الصياغة المقترحة
“لا يجوز لأي دولة طرف أن تسبب ضررا لأمن أو استقرار أو سلامة بيئية لدولة طرف أخرى. ويشمل ذلك الأنشطة العسكرية، والتلوث البيئي العابر للحدود، ودعم الكيانات غير الحكومية التي تمارس أعمالا عدائية ضد دولة طرف أخرى”.
الأساس القانوني والجديد فيه
تعتبر قاعدة “عدم الإضرار” (No-Harm Rule) قاعدة عرفية راسخة في القانون الدولي البيئي، تم إقرارها لأول مرة في قضية Trail Smelter (1941) وأكدتها محكمة العدل الدولية في عدة مناسبات. وتنص على أن الدولة لا يمكنها استخدام أراضيها بطريقة تضر بالدول الأخرى.
الجديد المقترح: توسيع نطاق هذه القاعدة لتشمل “الأمن” إلى جانب البيئة. فكما تلتزم الدولة بعدم التسبب بضرر بيئي عابر للحدود، تلتزم بعدم التسبب بضرر أمني عابر للحدود. 

ثالثا: “المساءلة الجماعية عن الأضرار غير المباشرة “(Collective Accountability for Indirect Harm)
الصياغة المقترحة
“تتحمل الدول الأطراف مسؤولية جماعية عن الأضرار غير المباشرة التي تلحق بأي دولة طرف نتيجة لأعمال غير مشروعة دوليا تصدر عن دولة طرف أخرى. وتلتزم الدول الأطراف بالتعاون لتقديم تعويضات عادلة للدولة المتضررة، على أن تعود على الدولة المتسببة بقيمة الاضرار والتعويضات“.
الأساس القانوني والجديد فيه
مشروع مواد لجنة القانون الدولي لعام 2001 بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا، بأن الدولة تتحمل المسؤولية عن الأفعال غير المشروعة التي تصدر عنها، بما في ذلك الأضرار غير المباشرة. 
الجديد المقترح: إضفاء طابع “جماعي” على المسؤولية، بحيث لا تكون المساءلة محصورة في العلاقة الثنائية بين الدولة المتضررة والدولة المخالفة، بل تصبح مسؤولية تقع على عاتق جميع الدول الأطراف في المبادرة. 

رابعا: مبدأ “الشرعية مقابل الفعالية” (Legitimacy vs. Effectiveness) كأساس لتقييد التدخلات الأحادية
الصياغة المقترحة

“تتعهد الدول الأطراف بأن أي إجراء تتخذه لحماية أمنها القومي، بما في ذلك حق الدفاع عن النفس، يجب أن يكون متوافقا مع مبادئ الشرعية الدولية، وألا يتخذ أي إجراء يكون غير قانوني دوليا ولو ادعي أنه شرعي أو ضروري للحفاظ على الذات. وفي حال نشوء نزاع حول شرعية أي إجراء، يحال الأمر إلى آلية التشاور والتوفيق المنشأة بموجب هذا الإعلان”.
الأساس القانوني والجديد فيه
أثارت العملية العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026 نقاشا عميقا في الأوساط القانونية حول فجوة متزايدة بين “الشرعية القانونية” و”الفعالية السياسية”، وبرز إطاران تحليليان بديلان: الأول يرى أن بعض الانتهاكات القانونية قد تكون “غير قانونية لكن شرعية” أخلاقيا، والثاني يتمسك بــ”حق الحفاظ على الذات” الذي قد يتجاوز القواعد القانونية التقليدية. 
الجديد المقترح: لأول مرة يتم تقنين هذا النقاش في إطار إقليمي، بحيث يتم الاعتراف بأنه لا يمكن لأي دولة أن تحتكر تفسير “الشرعية” أو “الحفاظ على الذات”. وبدلا من ذلك، تخضع أي ادعاءات بالدفاع عن النفس أو بالضرورة الأمنية لآلية تشاور وتوفيق جماعية. وهذا يحد من قدرة أي طرف (سواء إيران أو إسرائيل أو أي دولة أخرى) على تبرير أعمال عدائية أحادية بحجج أمنية غير قابلة للمراجعة.

خامسا: مبدأ “السيادة الرقمية والأمن السيبراني الجماعي”
الصياغة المقترحة
“تعتبر الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية أو أنظمة المعلومات أو الشبكات الحيوية في أي دولة طرف بمثابة اعتداء على الأمن الجماعي للمنطقة. وتتعهد الدول الأطراف بتنسيق جهودها للتصدي للهجمات السيبرانية، وتبادل المعلومات حول التهديدات، وتطوير معايير مشتركة للسلوك المسؤول في الفضاء السيبراني.”
الأساس القانوني والجديد فيه
مع تزايد التهديدات السيبرانية، بدأت دول الخليج في تطوير أطر تنظيمية وطنية للأمن السيبراني، كما تم إطلاق استراتيجيات خليجية مشتركة لمكافحة الجرائم المالية والمخدرات. على الصعيد الدولي، لا يزال هناك نقص في المعايير الملزمة للسلوك السيبراني بين الدول. ويمكن اعتماد نماذج الكاريبي وآسيان، مع تكييفها للسياق الخليجي-الإيراني.
الجديد المقترح: لأول مرة في إطار أمني إقليمي خليجي-إيراني، يتم الاعتراف بأن الهجمات السيبرانية يمكن أن تشكل “اعتداءً” يستدعي ردا جماعيا. وهذا يوسع مفهوم “الأمن” ليشمل الفضاء السيبراني، ويوفر أساساً للتعاون في مواجهة التهديدات السيبرانية التي قد تنطلق من أي طرف.

سادسا: تفعيل “فرق التحقيق المشتركة” (Joint Investigation Teams - JITs)
الصياغة المقترحة
“تنشأ بموجب هذا الإعلان آلية لفرق التحقيق المشتركة، تضم ممثلين عن الدول الأطراف، تتولى التحقيق في الحوادث البحرية، والهجمات السيبرانية، وأي أعمال عدائية أو تخريبية في المنطقة. وتتمتع هذه الفرق بصلاحية جمع الأدلة وتبادل المعلومات مباشرة، وتقديم تقاريرها إلى اللجنة العليا.”
الأساس القانوني والجديد فيه
شهدت السنوات الأخيرة تطورا في آليات التعاون الأمني الإقليمي، حيث أقرت دول الكاريبي إطارا إقليميا لفرق التحقيق المشتركة (JITs) لتعزيز التعاون عبر الحدود. كما أطلقت دول الآسيان منصة لأمن السواحل لتحسين التنسيق في المجال البحري.
الجديد المقترح:  نقل هذه الآلية إلى السياق الخليجي-الإيراني لأول مرة، مع تكييفها لتشمل التحقيق في الحوادث البحرية والهجمات السيبرانية بالإضافة إلى الجرائم التقليدية. وهذا يوفر آلية عملية وموضوعية للتحقيق في أي حوادث قد تؤدي إلى تصعيد، بدلا من ترك التفسير لكل طرف على حدة.

سابعا: إدراج “الاستقرار الاقتصادي والتنموي” كركيزة للأمن الجماعي
الصياغة المقترحة
“يعتبر أي إجراء من شأنه تعطيل حركة التجارة البحرية، أو استهداف البنية التحتية للطاقة، أو التسبب في أضرار اقتصادية جسيمة لدولة طرف أخرى، بمثابة تهديد للأمن الجماعي للمنطقة. وتتعهد الدول الأطراف بالتعاون لحماية الاقتصاد الإقليمي، وتطوير آليات للتعويض عن الأضرار الاقتصادية الناتجة عن أي أعمال عدائية”.
الأساس القانوني والجديد فيه
تعتمد اقتصادات دول الخليج بشكل كبير على الاستقرار البحري وحرية الملاحة. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يمكن أن يتسبب بأضرار اقتصادية جسيمة لدول الخليج والعالم.
الجديد المقترح: لأول مرة، يتم الاعتراف بأن الاستقرار الاقتصادي هو جزء لا يتجزأ من الأمن الجماعي، وأن أي إجراء يعطل الاقتصاد الإقليمي يمكن اعتباره تهديدا أمنيا يستدعي تحركا جماعيا. وهذا يربط الأمن الاقتصادي مباشرة بالالتزامات الأمنية.
الخلاصة: إذا نجحت دول الخليج في صياغة هذا الإعلان على هذه الأسس القانونية خلال 60 يوما، فستتمكن من تحويل مذكرة التفاهم المؤقتة إلى إطار إقليمي دائم، يخرج المنطقة من دائرة التهديدات الأحادية إلى فضاء من القواعد المتفق عليها، ويؤسس لنظام أمني خليجي-إيراني قائم على القانون، وليس على الوعود أو القوة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية