
في ظل التحوّلات الثقافية المتسارعة التي يشهدها “عالمنا الكوني المتداخل”، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في أنثروبولوجيا السياحة، وهي الحقول التي تشكّلت انطلاقتها المعرفية في مرحلة “عالم ما قبل الترابط الشبكي” (The pre-connected world). في ذلك الزمن، كانت العلاقة بين الضيف والمضيف تُقرأ من خلال أطروحة أحادية القنوات الثقافية: معلومات تنتج من كيف يرى/ينظر ( The Tourist Gaze ) (alZekri, 2025 a) الضيفُ إلى المضيف بمعزلٍ وبانفصالٍ عن كيف يرى المضيف الضيف. مرحلة تم تخيل أن تلك النظرة The Tourist Gaze أنتجت معلومات صلبة وجامدة ونهائية عن الزائر أو عن المزار، معلومات ليست قابلة للنقاش أو التغيير. “الأنا” في جهة و “الآخر” في جهة أخرى، الأنا ابنة الثقافة المألوفة و هو الآخر ابن الثقافة الغريبة المجهولة. (Picard & Di Giovine, 2014)
إلا أنّ هذا النمط من التفكير لم يعد قابلًا للاستمرار في عالم اليوم. فواقع التكنولوجيا من يوتيوب، والسوشيال ميديا، ومواقع الإنترنت، أتاح كمًّا هائلًا من المعلومات للطرفين—الضيف/الزائر والمضيف/المزار—وعمّق فضولهم تجاه التعارف من خلال السفر. ومع انخفاض تكاليف الرحلات، أصبح السفر ممكنًا لجمهور واسع (Joseph, P, & Thomas, 2024). هذه الظروف مجتمعة أسهمت في تفكيك الثقافة القديمة التي أنتجها واقع “الأوفلاين “Offline المنتمي الى “عالم ما قبل الترابط الشبكي”، لصالح واقع “الأونلاين Online “ في “عالمنا الكوني المتداخل” الراهن. (الزكري، م. (b) ،2025)،
(Suthar & Kumar, 2025) . في “عالم ما بعد الترابط الشبكي” باتت المعرفة المتبادلة ممكنة: معرفة “ما” لدى الزائر عن ثقافة البلد المضيف قبل السفر، ومعرفة “ما” لدى المضيف عن ثقافة السائح قبل قدومه. بذلك، سقط جزء من “الغرابة”، وحلّ محلّها شيء من “التعارف”. وأصبح كل من المضيف أو الضيف ملمًّا بعدد من البلاد والعادات والثقافات واللغات من دون أن يغادر مكانه.
غير أنّ الدراسات الأنثروبولوجية في “عالم ما قبل الترابط الشبكي” استخدمت مفردة “الضيافة” لوصف العلاقة بين الضيف والمضيف. وهذه المفردة —بحكم سياق استخدامها— تحمل إشكالية معرفية ومن ثم دلالية، لا لأنها فقط تنتمي إلى فقه التعامل مع الغريب بل لأنها تشبعت بذلك الفقه. ومع تراجع مفهوم “الغريب” في زمن كوني متداخل، تبرز الحاجة إلى استحداث مفردات مفتوحة، غير جامدة، وقابلة للتطوير ولا تنبي مبانيها على الغربة والاستغراب.
وهنا تقترح هذه الورقة استبدال مفردة الضيافة بمفردة “المُضايَفة”، وهي عوضًا عن كونها مفردة في حالة عذرية غير مشغولة بسوابق من الافتراضيات والانشغالات هي أيضا مفردة عربية أصيلة تمتلك قدرة دلالية على التعبير عن ازدواجية التدفق المتداخل وغير المتوقف بين الضيف والمضيف. فالمضايفة تلتقط المعنى التبادلي، المتواصل، غير الهرمي للعلاقة—على خلاف الضيافة التي ترث جذورًا أحادية الاتجاه. كما أن المُضايَفة بهذا المعنى تحقق المقاصد التعارفية التي وردت في الآية الكريمة “ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير”ٌ. (الحجرات:13).
وفي ضوء هذه المتغيرات، يمكن القول إن إعادة النظر في مفاهيم الأنثروبولوجيا السياحية لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة علمية تفرضها طبيعة العالم المعاصر. كما أن الانتقال من مفهوم “الضيافة” إلى مفهوم “المُضايَفة” يمثل محاولة لتطوير الإطار النظري الذي يفسر العلاقات السياحية في العصر الرقمي، من خلال التركيز على التفاعل المتبادل، والشراكة الثقافية، والتعارف الإنساني بوصفها الأسس الجديدة للعلاقة بين السائح والمجتمع المضيف.
إن مستقبل السياحة لم يعد قائمًا على زيارة الغريب للغريب، بل على لقاء ثقافات تعرف بعضها بعضًا بدرجات متفاوتة، وتسعى إلى بناء تجارب إنسانية مشتركة. ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم المُضايَفة يقدم رؤية أكثر انسجامًا مع روح العصر، وأكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها العالم في ظل الترابط الشبكي والتواصل الثقافي العالمي.
* اختصاصي تراث وسياحة