العدد 6465
السبت 27 يونيو 2026
ظاهرة صناعة المحتوى لإمبراطوريات الشاشة الزجاجية
السبت 27 يونيو 2026

قد يوجد الكثير من رواد الشاشة ممن لم يعاصروا بدقة التطورات التكنولوجية الحديثة التي يلعب بها شباب اليوم وشاباته، والتي بدأت كهواية أو وسيلة للتسلية الإعلامية، ومن ثم انقلبت بقدرة قادر إلى نوع من كسب الرزق، وبدأت تتطور إلى درجة أصبحت تدر الألوف من الأموال على من نسميهم “العيال” من صانعي المحتوى، والذين درسوا اللغات الحية وربما إدارة الأموال بالقليل من الجهد، مع دراسة الدورات المبسطة في تعلم اللغات أو تصميم الجرافيك، وليست بالدراسة الجامعية العالية المعروفة بالشهادات المعتمدة، ليصبحوا منافسين لوزارة الإعلام وموظفيها المشهورين، بل وقد تفوق شهرتهم في أسابيع قليلة شهرة هؤلاء في الدعاية والإعلان للبضائع والشركات وغيرها، ورغم أنهم لم يتابعوا الدراسة الجامعية بالسنوات المعتمدة كالمشاهير المعروفين من الإعلاميين في مجال الدعاية والإعلان!

وأصبح الشخص يصور من غرفته أو من “الكراج” بهاتفه الصغير العبقري ويحرك الملايين بكلمة واحدة. إن هذه الظاهرة التي تسمى (صناعة المحتوى) لم تعد مجرد هواية للتسلية، بل تحولت إلى قطاع اقتصادي وإعلامي بوزن الألوف والملايين.

ففي السابق، كان إنتاج البرامج يتطلب مخرجاً، ومنتجاً، ومصوراً، وكاتب سيناريو، وقناة فضائية، أما صانع المحتوى فيقوم بكل تلك الأدوار بنفسه وبكفاءة قد تتفوق على القنوات التقليدية، وبذلك قام هؤلاء من صانعي المحتوى بردم فجوة تعليمية ومهنية ضخمة كانت حكراً على الأغنياء. وقد أدركت الشركات الكبرى تلك القدرات، وأصبحت تتعامل مع صانعي المحتوى ممن لديهم الملايين من المتابعين والثقة العالية من المجتمع، وبذلك تستفيد في توفير أموالها التي كانت تنفقها على إعلانات الشوارع والتلفزيون. إن حدوث كل هذا التحول نحو الفردية المنتشرة أمر جميل ومغر للعامة، ولكن لماذا يصاب المشاهير منهم وبعد فترة وجيزة بالاكتئاب ويعلنون اعتزالهم؟

قد يكون ذلك بسبب دكتاتورية (المدير الآلي) والمنصات الرقمية للإنترنت مثل اليوتيوب والتيك توك وغيرها، والتي لا يديرها البشر بل تدار بالبرمجيات الذكية (الخوارزميات) التي لا رحمة لديها، والتي تفرض أوامرها لإبقاء الناس لأطول فترة ممكنة داخل التطبيق، ما يحتم على المشترك التواصل الدائم وأن ينشر المحتوى يومياً. وإذا تأخر صانع المحتوى عن ذلك، فإنها تقوم بمعاقبته بتخفيض نسبة ظهوره وما يأتيه من أموال، ما يسيء إليه ويقلب حياته ويعيش في رعب دائم إذا ما تعرض لمرض أو لظروف عائلية خاصة، ما يؤدي به إلى الاحتراق المهني.

فصانع المحتوى يصبح عبداً للآلة، ولتقييم المحتوى عبر عدد المشاهدات والإعجابات والتعليقات، ما يخلق حالة نفسية رهيبة، ويصبح كرهينة للجمهور على حساب جودة ما يقدمه ومبادئه، ويشعر بالفشل إذا لم يحقق الهدف المنشود.

وقد ينجح البعض ويسقط آخرون في فخ الاكتئاب والإفلاس، اعتماداً على الخبرات والجهد في التواصل اليومي المطلوب، وأن تكون لديهم الخبرة الكاملة لشروط النجاح في تلك الخطوة العملية. أما أسباب الفشل فقد تكون بسبب ملل الناس من المواد المتكررة، أو أن الصانع قد بنى نجاحه على منصة واحدة مثل التيك توك أو اليوتيوب وتغيرت سياسة التطبيق، أو أن يحظر التطبيق في دولته ويغلق حسابه، فيجد نفسه قد خسر كل شيء في ثوان. أما أسرار النجاح لبناء امبراطورية، فتبدأ بتحويل الاسم إلى شركة خاصة دون الاعتماد على المال الذي تدفعه لهم منصات المشاهدة غير المضمونة على المدى الطويل، والأهم هو البدء بإنشاء مشاريعهم الخاصة، كطاهية مشهورة تنشئ علامة تجارية للحلويات أو الآيس كريم، أو مبرمج يطلق دورة تعليمية مدفوعة، فيتحول صانع المحتوى إلى رجل أعمال مستقل ومشهور. فالمبدع الذكي لا يعادي الذكاء الاصطناعي، بل عليه فهمه بدقة ومعرفته قبل استخدامه، وأن يكلفه بالعمل الروتيني الذي لا يستنزف الوقت أو الجهد، ويتفرغ هو للعمل الإبداعي في تخصصه. فالنجاح الحقيقي هذه الأيام هو متابعة أعداد أقل نسبياً من الأشخاص الذين يهمهم الموضوع والمخلصين للتخصص، عوضاً عن ملايين المتابعين من أجل تفاهة الضحكة العابرة. 

* طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية