العدد 6430
السبت 23 مايو 2026
تأثير الحضارة والتكنولوجيا الحديثة على حرية الإنسان
السبت 23 مايو 2026

يبدو أنه كلما تقدم الإنسان في الحداثة والتطور التكنولوجي وظهرت العديد من شبكات التواصل والصناعة الإعلامية الضخمة، والتي تقوده مع التدخلات اليومية والخوارزميات ونشر المعلومات وكثافتها، والتي أصبحت تتدخل في كل ما من شأنه أن يؤثر على الطريقة التي يتعايش بها ويشغل فيها وقته! أدت كل هذه المعلومات إلى تساؤلات عما إذا أصبحنا مسيرين من قِبل الأجهزة الحديثة، ولم نعد مخيرين! وأصبحت كالداء المنتشر الذي تسبب في ازدياد القلق النفسي والتعقيد فيما يدور في أجوائنا!

ذلك الكائن البسيط الذي كان كل همه منذ بداية الحياة البحث عن أكله ومسكنه وعائلة مُحبة تحتضنه ويعيش في كنفها.. مع كيانه وأفكاره وتوجهاته، ودون أن يتسبب أحد في التسلط على حياته أو تغيير الأسس التي كان يتوارثها ويعتمد عليها ويطمئن قلبه بها، والأهم هو أن يشعر بحريته وكيانه في اختيار ما يراه مناسبا في عيشه وتحركاته.

ولكن للأسف ازداد قلقه بسبب هذه التكنولوجيا والسيطرة اللاإرادية التي دخلت على المستويات كافة، سواء إلى الشباب وكبار السن، أو حتى الأطفال تغيروا وأصبحت لهم تحدياتٌ مع الأهل وآراءٌ من خلال تعرضهم حتى إلى الأفلام الكارتونية لأسلوب حياةٍ مختلف، ما أدى لصعوبة التفاهم حتى مع تلك العقول الصغيرة.

وفي الواقع وبالرغم من التسهيلات التي أتت بها هذه الحضارة في معظم النواحي العملية والترفيهية، حيث طورت الطب والمعرفة للجميع، ورفعت متوسط العمر وأشياء أخرى، لكنها اختطفت السعادة وهدوء البال، وأصبحت السرعة والاستهلاك السمة الأساسية فيها، وجعلته يعيش تحت مراقبة دائمة سياسية وتقنية ونفسية ومع عدد المتابعين! وكل لحظة يجب ملؤها بالشاشات مع التصفح الدائم والضجيج، وكأن الحضارة تخشى أن ينفرد الإنسان بنفسه لأن ذلك يجعله يخاف من نفسه التي لم يعد يعرفها! ورمت في أحضاننا الوقت والقلق والفراغ الداخلي والمعلومات الكاذبة المضيعة للوقت، ولملء الفراغ فقط! وبكثافة لا مثيل لها! وسيطرة الأنظمة الغذائية وطريقة تناولها، والإعلانات لكل شيء يتعلق بالحياة العائلية والعملية  والتي تُملي على الفرد كي يتوافق معها.

وأضحى الفرد بضغطة زر يحصل على ما يطلبه، أو يشتريه، وما الذي يجب ارتداؤه وكيف يُربي أطفاله! ويصفف شعره أو يغير قسمات وجهه، أو التحكم في وجهة سفره وكيف يقتني سيارته أو الأقساط وشراء البيت وديكوراته.. إلخ.

إن الإعلانات وغيرها تأتيه في كل الأوقات! وبدأت تتصدر مخزون فكره وبطانة تفكيره! وقد يتساءل حائرًا أين اقف الآن! ومن أنا! ولماذا كل هذه التنبيهات التي لا أريدها! وأين ذهبت حريتي في الاختيار! وما هذا الصراع الداخلي الذي أبعدني عن العيش الهادئ والمسؤوليات التي لم تخطر ببالي سلفا، فالاستهلاك أصبح السمة الحياتية المسيطرة الوحيدة على معظم تصرفاته، كل تلك الأشياء سلبت الحرية الفكرية والقدرة على التمييز والاختيار التي كان يتمتع بها سابقا.

ومن المعروف أن الصناعة الإعلامية والاستهلاك يدرَسان في الجامعات وبطرقٍ حديثة، ومع تحليل نفسي ومدروس خصيصًا للتعرف على أنسب الطرق للإغراء في توجيه الفرد لاقتناء المواد الاستهلاكية والمنتجات التي تشاء الشركات تسويقها وتتفنن في الأسلوب المناسب للسيطرة على الاحتياجات النفسية والمعنوية للفرد! وإذا لم يستجب لها، تضلله بشعورٍ مزعج! وبأنه من عالمٍ متخلف وليس مع (الترند) الحالي الذي يعيشه مجتمعه، ما يصيبه بالإرهاق في التفكير وعدم التوازن لكي يعيد حساباته وانتماءه لما يدور حوله في عوالم اليوم. ويأتينا السؤال الحائر عن مدى استفادتنا من هذه الحضارة؟!

والجواب قد يكون أن على الإنسان زيادة الحذر وعدم الغرور من هذا التقدم السريع في هذه الحضارة المضللة التي قد تجعل الإنسان بليد المشاعر مع العلاقات السطحية وغريبا عن نفسه رغم كل هذا التقدم! فالمدن المضاءة طوال الليل أو الذكاء الاصطناعي.. إلخ، لن تكون الجواب! ويجب إعادة التفكير في كل ما يدور حولنا لفهم المزيد من ذواتنا وعمق احتياجاتنا في العلاقات العائلية وتهدئة روحنا المتعبة وسط عالمٍ يتحرك أسرع من أرواحنا.

 

*  طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .