ثمة أحلام لا تُقاس بحجم المباني، ولا بعدد الأعضاء، بل بما تحمله من رسالة، وما تزرعه من أثر في حياة الناس. ومن أجمل هذه الأحلام أن تبصر النور جمعية تحمل اسم “جمعية أصدقاء الصحة النفسية”، لأن هذا الاسم وحده يحمل في داخله عالما واسعا من المعاني الإنسانية.
لقد آن الأوان أن ننظر إلى الصحة النفسية بوصفها احتياجا إنسانيا أصيلا، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها، فالإنسان لا يحتاج إلى الطعام والدواء والمأوى فقط، بل يحتاج أيضا إلى مساحة يشعر فيها بالأمان، وإلى من يصغي إليه، وإلى بيئة تؤمن بأن النفس، كما الجسد، قد تتعب وتحتاج إلى العناية. ومن هنا تبرز أهمية وجود جمعية تُعنى بالصحة النفسية، فهي تختلف في رسالتها عن العيادات والمراكز العلاجية، فالعيادة تستقبل من يطلب العلاج، أما الجمعية فتذهب إلى المجتمع قبل أن يصل إلى مرحلة الألم. إنها تنشر الوعي، وتبني الثقافة، وتدعم الوقاية، وتخلق مساحات للحوار، وتفتح أبواب المعرفة لكل فرد، بعيدا عن الخوف أو الأحكام السابقة.
إن وجود جمعية تحمل هذا الاسم يمنح المجتمع صوتا جديدا، صوتا يقول لكل إنسان: أنت تستحق أن تعيش حياة متوازنة، لا أن تكتفي بمجرد العيش.. تستحق أن تستيقظ وأنت تشعر بالمعنى، وأن تواجه ضغوط الحياة وأنت تمتلك أدوات التكيف، وأن تدرك أن مشاعرك ليست عبئا يجب إخفاؤه، بل رسالة تستحق أن تُفهم.
إن الأنشطة والفعاليات والمبادرات التي ستنطلق من هذه الجمعية لن تكون مجرد مناسبات عابرة، بل ستكون رسائل إنسانية تعيد تشكيل ثقافة المجتمع، وتغرس مفاهيم الرحمة، والتقبل، والدعم، والمسؤولية المشتركة تجاه الصحة النفسية.
فكل محاضرة، وكل ورشة، وكل حملة توعوية، قد تكون سببا في إنقاذ إنسان من العزلة، أو منح آخر أملا جديدا، أو تصحيح مفهوم ظل عالقا سنوات. كل التقدير لكل من يؤمن بهذه الرسالة، ولكل من يسهم في تأسيس ودعم جمعية أصدقاء الصحة النفسية، لأنها ليست مجرد جمعية، بل مشروع إنساني يضع الإنسان في قلب اهتمامه، ويؤمن بأن بناء النفس بداية بناء المجتمع.
*كاتبة واختصاصية نفسية بحرينية