كان يا ما كان، كان الكاتب يقضي ليله يسامر الحبر، يفتش في قواميس الوجد عن مفردة واحدة تصف بدقة ذلك الخفقان الطفيف في يسار صدره. كان يبحث فيه عن الوجد، أو الهيام، أو الصبابة، مدركًا أن لكل كلمة ظلًا، ولكل مرادفٍ درجة حرارة تختلف عن الآخر. أما اليوم، وفي عصر السيولة الرقمية، اختُصر هذا العناء اللغوي الطويل بضغطة زر تطلق وجهًا أصفر بعينين دامعتين، أو قلبًا أحمر نابضا، ليعلن انتهاء مهمة التعبير وتدشين عصر “الأيقونة البديلة”. فهل تراجعت بلاغة التعبير حقا؟ وهل نحن بصدد لغةٍ جديدة تولد؟ أم أننا نشهد شيخوخةً مبكرة للكلمات التي أمست عاجزة عن مجاراة إيقاع عصرٍ لا يملك وقتًا للقراءة؟
لا يسعنا أن ننكر أن الرموز التعبيرية سدت ثغرة كبرى في التواصل الرقمي، فالنصوص الصامتة الخالية من نبرة الصوت وتعبيرات الوجه غالبا ما تُفهم بشكل خاطئ، وجاءت هذه الأيقونات الصغيرة لتمنح الكلمة الباردة نبرةً دافئة، وتمنع سوء الفهم الوجداني. ومع ذلك، فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن في استخدام هذه الرموز كتوابل تضاف إلى الوجبة اللغوية، بل في تحولها إلى الطبق الرئيس في موائد تواصلنا اليومي.
لقد استسهل الإنسان المعاصر إرسال “إبهام مرفوع” عوضًا عن صياغة عبارة شكر وامتنان، واستعاض بـ “وجه ضاحك” عن كتابة جملةٍ تصف بهجته العميقة، وهذا الاستسهال ليس مجرد اختصار للوقت، بل كسل معرفي ووجداني يتسلل إلى العقل البشري ببطء، ما يؤدي بمرور الوقت إلى ضمور العضلات التعبيرية للغة.
إن المشاعر الإنسانية بطبيعتها مركبة، معقدة، ومتداخلة، فالحزن ليس لونا واحدا، والفرح يحمل في طياته أحيانا شجنًا دافئا. وعندما نختزل هذه المساحات الشاسعة من الأحاسيس في قالب “أيقونة جاهزة” صممها مبرمج خلف الشاشات، فإننا نقوم بعملية “تنميط وجداني” خطيرة.
حيث تصبح مشاعرك في الحزن هي ذاتها مشاعر ملايين البشر الذين استخدموا الوجه الباكي نفسه، وفي هذا محوٌ واضحٌ للفردانية الخلّاقة. وفي هذا الفضاء الضيق، تغيب الاستعارة، وتتوارى الكناية، وينطفئ المجاز، وتلك الفنون التي صقلت الفكر البشري قرونًا مضت تُستبدل بصور سابقة الصنع لا تملك روحًا ولا صوتًا. كما أن الكلمة المكتوبة تتيح للمتلقي مساحة لرسم الصورة في خياله، بينما الأيقونة البصرية تفرض شكلًا محددًا ونهائيًا للمشاعر، ما يحرم العقل من متعة التأويل والتخيل. إن خطورة هذا التحول تتجاوز مجرد الحفاظ على قواعد النحو والصرف، فاللغة هي وعاء الفكر، ومستوى رقي الفرد يقاس بقدرته على تفكيك مشاعره وأفكاره وصياغتها في جمل بليغة تلائم الموقف.
وحين يعجز الجيل الجديد عن صياغة رسالة اعتذار صادقة، أو كتابة نص يواسي فيه صديقًا دون الاستعانة بـ “القلوب المكسورة”، فإننا نقف أمام فقر لغوي ينعكس بالضرورة على عمق العلاقات الإنسانية وجديتها، فالكلمات تملك طاقة شفائية، والبوح المكتوب يحرر صاحبه من ثقل المشاعر، أما الرمز التعبيري فهو بمثابة مسكّن سريع سابق الصنع، يفي بالغرض لحظيًا، لكنه يترك جرح الغموض الوجداني مفتوحًا خلف كواليس الشاشة الزرقاء.
*كاتبة بحرينية