إن التغير الذي يحدث في الزراعة في السنوات الأخيرة والتي غزت بلادنا من الخضروات والفواكه مثل العنب والبطيخ والبرتقال المُنتج بدون بذور، وتغير ألوان الفلفل الأخضر إلى الأحمر والبنفسجي والأصفر! والطماطم التي أصبحت في صلابتها تشابه الخيار، والبطيخ مربع الشكل في الصين لسهولة تصديره! والكثير مما لا نعرفه من المأكولات الأخرى! كل هذه الدلائل تشير إلى التعديل الجيني وآثاره المرضية التي قد نراها بعد عقودٍ من الزمان.
واستحداث الطرق الجينية للزراعة جاء بسبب عوامل متعددة منها تصحر الأراضي الزراعية ونقص المياه وازدياد حرارة الأرض والسكان في العالم، وأصبحت المنتجات الحديثة تتحمل البقاء لفتراتٍ أطول والسفر لمسافاتٍ بعيدة دون فسادها! واستبدلت الأراضي الزراعية الممتدة بمسافاتٍ أصغر بحيث تُزرع بالماء أو الهواء أو القليل جدا من التربة! ولكن بإضافة الكثير من المعدلات الكيميائية
والمبيدات وبطرقٍ أقل تكلفةٍ وفي فتراتٍ قياسية، وأصبحت البذور معدلة جينيا،
وعوضًا عن تكييف الإنسان مع الأرض، لجأ إلى المختبرات وقام بتهجين وخلط النباتات للحصول على مُنتجٍ وفير الأرباح مع صفاتٍ مميزة للتوازن البيئي الذي ينشده! والتي كانت تتأثر سابقاً بالعوامل البيئية البطيئة والمواسم، وأصبحنا نرى المنتجات الصيفية والشتوية على مدار العام! ولكننا افتقدنا النكهة والرائحة المميزة لها وأصبحت دون طعمٍ أو موسم! عدا مضارها التي لا ندركها حاليا! فالتاريخ مليء بالمواد المضافة التي تُكتشف مضارها بعد حين!
حيث إن البذور المعدلة أصبحت مُلكا للبلاد الأكثر تقدما مثل الكنز، والتي تحتفظ بأسرارها! وأضحت تتحكم بإنتاجها وأسعارها، وبالتالي ملكيتها السياسية والاقتصادية، ما يؤثر على المزارعين البسطاء في البلدان الأخرى إذا ما مُنعت عنهم، وبذا تمتلك تلك الدول المنتجة القوة بالسيطرة وخنق الدول الفقيرة اقتصاديا وموتها!
وأصبح الإنتاج الأسرع والأرخص هدفا للانتشار عالميا بغض النظر عن مدى صلاحيتها أو مضارها! وبالتالي السيطرة على الأسواق!
ولنا أن نرى مؤخرًا كيفية انتشار أمراض الحساسية والاضطرابات النفسية والهرمونية والمناعية وازدياد القلق والأرق والاكتئاب كأمراض جانبية دون معرفة أسبابها الحقيقية! إضافة إلى أن الاستخدام المكثف للمبيدات الحشرية في الزراعة الحديثة قد يخلق أنواعا متجددة من الحشرات الأكثر مقاومة، والتي تصيب المحاصيل الأخرى وصعوبة معالجتها! حيث إن الغذاء أصبح أحد المصادر المهمة للتأثير على الصحة العامة ويأتينا هنا السؤال الأهم عن كيفية التغلب على هذا التطور المادي السريع؟
أما الجواب فهو المعضلة الحقيقية والصعبة التي تحتاج إلى الكثير من الجهد والعناية، والتي تشمل تثقيف وتوعية الإنسان من خلال الوسائل الحديثة في البحث عن البدائل الطبيعية للحفاظ على البيئة ومشاركة الدول من خلال حكوماتها في تطوير المنتجات الغذائية الطبيعية، وذلك بعمل مراكز البحوث وكيفية الزراعة بالطرق الأكثر اقتصادية.
كما على الحكومات التدخل لحماية شعوبها من هذا الاستغلال المادي وأن تحاول التوقف ومنع استيراد تلك الأغذية المهجنة وعدم تشجيعها، كي لا تصبح مصدرًا للأمراض العضوية التي قد تكون فيها الخسارة فادحة على المدى البعيد بمعالجة الأمراض المتنوعة والخبيثة! ولإنقاذ البشرية وعدم استنزافها من منظور الحكمة والنتائج الأخلاقية والصحية.
* طبيبة وكاتبة ونحاتة تشكيلية بحرينية