العدد 6466
الأحد 28 يونيو 2026
محرم في مآتم البحرين… تاريخٌ من الإيمان والوفاء
الأحد 28 يونيو 2026

حين يطلُّ هلال شهر محرم على البحرين، لا يبدأ موسمٌ عابر، بل تُفتح صفحةٌ من صفحات التاريخ التي ظلَّت تُكتب منذ قرون بمداد الإيمان والولاء للإمام الحسين عليه السلام. فقد ارتبطت البحرين بقضية كربلاء ارتباطًا وثيقًا، حتى غدت المآتم الحسينية جزءًا أصيلًا من هويتها الدينية والاجتماعية والثقافية، ومعلَمًا بارزًا من معالمها الحضارية.

وتؤكد المصادر التاريخية أن إقامة مجالس العزاء على الإمام الحسين عليه السلام في البحرين تعود إلى عصورٍ مبكرة، حيث كانت المجالس تُقام في البيوت، والمساجد، ومجالس العلماء ووجهاء القرى، قبل أن تتطور إلى مآتمٍ مستقلة خُصِّصت لإحياء ذكرى عاشوراء وسائر مناسبات أهل البيت عليهم السلام. ومع مرور الزمن، أخذت هذه المآتم تنتشر في مختلف مدن وقرى البحرين، حتى أصبحت من أكثر المؤسسات الدينية حضورًا وتأثيرًا في المجتمع.

ولم تكن المآتم يومًا أماكن للعزاء فحسب، بل كانت مدارس للتربية والإصلاح، ومنابر للعلم والمعرفة، ومجالس لتلاوة القرآن الكريم، وتعليم الأحكام، وإحياء الأدب والشعر الحسيني، وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي، ومنها خرج الخطباء والرواديد والشعراء وحفظة التراث الشعبي، وظلت ولا تزال بيتًا مفتوحًا لكل أبناء المجتمع.

ويمتد موسم العزاء بعد عاشوراء إلى بقية شهر محرم، ثم إلى شهر صفر، حيث تُقام مجالس أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، لتبقى كربلاء حاضرةً في وجدان المؤمنين طوال هذه الفترة.
وقد عُرفت البحرين عبر تاريخها بكثرة مآتمها وتنوعها، حتى أصبحت من البلدان التي تتميز بانتشار المآتم في معظم المدن والقرى، ولكل مأتم تاريخه ورجاله ورواده وخطباؤه وشعراؤه، الذين أسهموا في حفظ هذا الإرث العظيم ونقله من جيل إلى جيل.

إن سر بقاء المآتم البحرينية لا يكمن في مبانيها، بل في رسالتها؛ فهي لم تكن ملكًا لأفراد أو عائلات، وإنما كانت وما زالت وقفًا للإمام الحسين عليه السلام، ومنبرًا يجمع المؤمنين على المحبة والوحدة وخدمة الدين. ولهذا بقيت صامدة أمام تغير الأزمنة، تؤدي رسالتها في نشر الوعي، وترسيخ القيم، وربط الأجيال بسيرة أهل البيت عليهم السلام.

ومن الجوانب التي تستحق الإشادة، ما يحظى به موسم محرم في البحرين من اهتمامٍ رسمي ورعايةٍ تنظيمية كبيرة. فإيمانًا بأهمية هذا الموسم ومكانته الراسخة في المجتمع البحريني، تحرص مملكة البحرين على توفير كل ما من شأنه إنجاحه، من خلال تسخير إمكانات مختلف الوزارات والمؤسسات والجهات الخدمية، لتأمين احتياجات المآتم والمواكب، وتنظيم الحركة المرورية، والمحافظة على الأمن والسلامة، وتقديم الخدمات الصحية والبلدية وسائر الخدمات المساندة، بما يهيئ الأجواء المناسبة لإحياء الشعائر بكل يُسرٍ وانتظام.

ويُعد اعتماد يومي التاسع والعاشر من شهر محرم عطلةً رسمية في جميع وزارات ومؤسسات الدولة من أبرز مظاهر هذا الاهتمام، إذ يتيح للمواطنين والمقيمين التفرغ للمشاركة في إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ويؤكد المكانة الرفيعة التي يحتلها هذا الموسم في مملكة البحرين. كما يعكس هذا القرار احترام الدولة للمناسبات الدينية، وحرصها على تهيئة الأجواء الملائمة لإقامة الشعائر الحسينية، بما يعزز قيم التآلف والتسامح والتعاون بين أبناء الوطن.

ويأتي ذلك بتوجيهات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم، ومتابعة ودعم من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وبالتعاون الوثيق بين الجهات الحكومية، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وإدارة الأوقاف الجعفرية، واللجان المنظمة للمآتم والمواكب، في صورةٍ تعكس نهج التعاون والمسؤولية المشتركة، وتعزز قيم الاحترام المتبادل والتعايش التي عُرفت بها البحرين عبر تاريخها.

وستظل المآتم البحرينية، بإذن الله، مناراتٍ للإيمان، وحصونًا للهوية، ومدارسَ للأخلاق والوعي، تحفظ رسالة الإمام الحسين عليه السلام، وتغرسها في نفوس الأجيال جيلاً بعد جيل. وستبقى البحرين، قيادةً وشعبًا، تقدم أروع صور التعاون في خدمة هذا الموسم العظيم، ليظل محرم فيها شاهدًا على أصالة هذا الوطن، وعمق انتمائه لتراثه الإسلامي، وتمسك أبنائه بقيم الوفاء، والوحدة، والمحبة، والتعايش، وهي القيم التي شكّلت عبر التاريخ سرَّ قوة البحرين وتميزها بين الأمم

اللهم احفظ البحرين أرضًا وقيادةً وشعبًا، واجعلها دائمًا دار أمنٍ وعزٍ ورخاء. 
 

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية