ثمة أوطان لا يُولد الإنسان فيها فحسب، بل يولد معه في قلبه انتماءٌ لا يبهت، ومحبة تكبر مع الأيام حتى تصبح جزءًا من هويته ووجدانه. ومملكة البحرين من تلك الأوطان التي لا يكتفي أبناؤها بالعيش على أرضها، بل يعيشون بها ولها؛ لأن المملكة لم تكن يومًا مجرد وطن يحتضن أبناءه، إنما بيتٌ كبير منحهم الأمن، والكرامة، والاستقرار، والطمأنينة، فاستحق أن يكون الحب الأبدي الذي لا يشيخ، ولا يتغير، ولا يعرف إلا الإخلاص.
كم من نعم تحيط بالإنسان حتى يعتادها، فلا يلتفت إلى عظمتها إلا عندما يرى غيره محرومًا منها. والأمن من أعظم تلك النعم، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الحياة كلها؛ فلا علم يزدهر في ظل الخوف، ولا اقتصاد ينمو وسط الفوضى، ولا أسرة تنعم بالاستقرار إذا فقدت الإحساس بالأمان. لذلك كانت مملكة البحرين، عبر مسيرتها الحديثة، نموذجًا للدولة التي جعلت أمن الإنسان وكرامته في مقدمة أولوياتها، حتى أصبح الاستقرار جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ يخرج المواطن إلى عمله مطمئنًا، ويرسل أبناءه إلى مدارسهم واثقًا، ويمضي في حياته وهو يدرك أن خلفه دولةً ترعاه، وقيادةً تسهر على أمنه ومستقبله. إن هذا الاستقرار هو نتاج وثمرة رؤية وطنية بعيدة المدى، قادها صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، واضعةً المواطن في قلب المشروع الوطني، وجعلت من التنمية، وسيادة القانون، والتسامح، والتعايش، والعدالة، ركائز ثابتة لبناء الدولة الحديثة. فمنذ انطلاق المشروع الإصلاحي، اختارت مملكة البحرين أن تخاطب المستقبل بلغة البناء، وأن تواجه التحديات بالحكمة، وأن تجعل من الاعتدال نهجًا، ومن الحوار سبيلًا، ومن الوحدة الوطنية قيمةً لا تقبل المساومة.
لذلك، لم يكن مستغربًا أن تتحول مملكة البحرين إلى نموذجٍ يحتضن الجميع، حيث تتجاور دور العبادة، وتتعايش المذاهب والثقافات، ويشعر كل من يعيش على هذه الأرض بأنه جزء من مجتمع يؤمن بأن قوة الأوطان لا تُبنى بالإقصاء، إنما بالشراكة، ولا تتحقق بالانقسام، إنما بالثقة المتبادلة بين القيادة والشعب. إنها فلسفة وطنية أثبتت الأيام أنها ليست شعاراتٍ تُرفع، بل ممارسةٌ يومية صنعت مجتمعًا متماسكًا، يعرف أن اختلافه مصدر ثراء، وأن وحدته سر قوته. ومن ينظر إلى مملكة البحرين، يرى وطنًا لم يتوقف يومًا عن البناء؛ مشاريع تنموية تتواصل، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وخدمات تتطور، ورؤية واضحة تستشرف المستقبل بثقة. حياة اعتاد فيها المواطن أن يكون الأمن أمرًا بديهيًا، وأن تكون الطمأنينة رفيقة يومه، حتى كادت هذه النعمة تبدو أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تأمل. غير أن التاريخ يعلمنا دائمًا أن قيمة النعم لا تتجلى إلا عندما تُختبر، وأن الأوطان العظيمة لا تُعرف حقيقتها في أوقات الرخاء وحدها، بل عندما تواجه التحديات بثبات، وتنتصر على الأزمات بوحدة قيادتها وشعبها.
وجاءت الأحداث الأخيرة لتؤكد هذه الحقيقة بأبلغ صورها؛ فما شهدته المنطقة من اعتداءات إيرانية غاشمة لم يكن مجرد تصعيد عسكري عابر، بل كان إنذارًا قاسيًا بأن الأمن الذي تنعم به الشعوب ليس أمرًا مضمونًا، وأن دعاة الفوضى لا يتورعون عن تهديد حياة الأبرياء وزعزعة استقرار الأوطان. ففي لحظات معدودة، تبدلت سكينة الليل إلى قلق، وتعالت صفارات الإنذار، وارتسمت على الوجوه علامات الترقب، بينما كانت العائلات تتابع الأخبار بقلوب يملؤها الدعاء أن يحفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وأهلها. لقد حملت تلك الاعتداءات مشاهد لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة؛ مقذوفات سقطت في محيط مناطق مأهولة، وحرائق اندلعت، وأضرار طالت مواقع مدنية، وحالة من الخوف عاشتها الأسر وهي تستشعر أن نيران الاعتداءات لا تفرق بين طفل وامرأة وشيخ. وكانت خسارة الأرواح البريئة، وفي مقدمتها الشهداء الثلاثة، إلى جانب المئات من المصابين الذين خلفوا جرحًا في قلب كل بحريني ومقيم، ورسالة مؤلمة بأن الإرهاب لا يعرف حرمة للإنسان، ولا قيمة للحياة، ولا احترامًا للقوانين والأعراف الدولية.
ومع ذلك، لم تسمح مملكة البحرين للخوف أن ينتصر، ولم تترك الفوضى تتسلل إلى نفوس أبنائها. ففي اللحظات التي تتكشف فيها معادن الدول، أثبتت القيادة الحكيمة في مملكة البحرين أنها الأقرب إلى شعبها، والأسرع في احتواء الموقف، والأصدق في تحمل مسؤولياتها الوطنية. فقد تابع حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، تطورات الأحداث أولاً بأول، ووجّه الجهات المعنية باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية المواطنين والمقيمين، وتسخير الإمكانات كافة للحفاظ على أمنهم وسلامتهم، مؤكداً أن المواطن سيبقى دائمًا محور الاهتمام وأولوية الدولة في كل الظروف. ولم تكن تلك التوجيهات مجرد أوامر تصدر في أوقات الأزمات، بل كانت امتدادًا لنهجٍ عرفه البحرينيون في قائدهم؛ نهج الأب الذي يستشعر مسؤولية حماية أبنائه، ويجعل أمنهم فوق كل اعتبار.
وهكذا تجلت القيادة البحرينية، برؤية ملكية حكيمة، ومتابعة حكومية حثيثة، في نموذج متكامل جعل الإنسان أولًا في كل الظروف؛ فقد جسّد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، نموذج القيادة الميدانية التي تؤمن بأن الطمأنينة تُصنع بالحضور قبل التصريح، وبالعمل قبل الكلمات. فقد تابع جاهزية الأجهزة المختصة، واطلع على سير الإجراءات، وزار المواقع والجهات المعنية، ووقف على احتياجاتها، في رسالة واضحة مفادها أن القيادة البحرينية لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تكون في قلب الحدث، تشارك أبناء الوطن همومهم، وتبث في نفوسهم الثقة بأن الدولة حاضرة بكل إمكاناتها لحمايتهم. كما أظهرت مختلف مؤسسات الدولة كفاءة عالية؛ من قوة دفاع البحرين، والحرس الوطني، ووزارة الداخلية، والجهات الصحية، والأجهزة الخدمية، التي تعاملت مع المستجدات باحترافية وانضباط، مؤكدة أن ما تحقق من جاهزية هو نتيجة سنوات من التخطيط والتدريب والعمل المؤسسي، حتى أصبحت مملكة البحرين تمتلك من الكفاءة ما يجعلها قادرة على مواجهة التحديات بثقة واقتدار، مع المحافظة على استمرار الحياة وحماية المجتمع من آثار الأزمات.
ولعل أعظم ما كشفت عنه هذه الأحداث لم يكن حجم التهديد، إنما حجم التماسك الوطني الذي واجهه. فقد أثبت البحرينيون، كما عهدهم وطنهم دائمًا، أن الأزمات لا تفرقهم، بل تزيدهم قربًا من بعضهم، وأن الشدائد لا تضعف انتماءهم، بل تعمقه، وأن الولاء للوطن وقيادته ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، إنما عقيدة راسخة تتجسد في المواقف قبل الكلمات. فكان الالتزام بالتعليمات الرسمية، والثقة بالمؤسسات الوطنية، ورفض الشائعات، والتكاتف المجتمعي، صورة مشرقة لوطن يعرف أبناؤه أن وحدتهم هي خط الدفاع الأول، وأن أمن البحرين مسؤولية يشترك فيها الجميع.
إن قوة مملكة البحرين لم تكن يومًا في اتساع مساحتها، ولا في كثرة مواردها، إنما في حكمة قيادتها، ووعي شعبها، وصلابة العلاقة التي تجمع بينهما. وهذه العلاقة لم تُبنَ في يوم واحد، بل صاغتها سنوات طويلة من الثقة المتبادلة، والعمل الصادق، والحرص على أن يبقى المواطن البحريني محور الاهتمام، وغاية التنمية، وأساس كل قرار. لذلك، كلما حاولت الأزمات أن تزلزل الأمان، وجدت أمامها شعبًا يؤمن بوطنه، ويثق بقيادته، فيتحول القلق إلى عزيمة، والمحنة إلى قوة، والتحدي إلى فرصة لإثبات أن البحرين أكبر من كل محاولات النيل من أمنها واستقرارها. ولأن الأوطان العظيمة تُعرف بأبنائها، فإن مملكة البحرين تملك ثروة لا تُقدَّر بثمن؛ شعبًا التف حول قيادته بمحبة صادقة، وقيادةً احتضنت شعبها بمسؤولية أبوية، فكانت النتيجة لحمةً وطنية متماسكة، لا تستطيع الشائعات أن تمزقها، ولا المؤامرات أن تخترقها، ولا حملات الكراهية أن تنال من صلابتها. إنها علاقة وفاء متبادل، يزداد رسوخها كلما مرت بها الأيام، وتزداد قوة كلما واجه الوطن تحديًا جديدًا.
ولذلك، عندما نسأل: لماذا نحب البحرين؟ فإن الإجابة لا تختصرها الكلمات. نحبها لأنها علمتنا أن الأمن نعمة، وأن السلام قوة، وأن التسامح ليس ضعفًا، بل حضارة. نحبها لأنها كانت لنا وطنًا قبل أن تكون دولة، وأسرة قبل أن تكون مؤسسات، وملاذًا آمنًا كلما اضطرب العالم من حولنا. نحبها لأنها لم تتخلَّ عن أبنائها في يوم من الأيام، ولأن قيادتها جعلت المواطن أغلى ثرواتها، وأعظم استثماراتها، وأسمى أولوياتها. نعم، نحب قيادتنا لأنها كانت، ولا تزال، عنوان الحكمة والاتزان؛ تؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن أمن الوطن يبدأ من أمن المواطن، وأن قوة الدولة لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات فحسب، بل بما تزرعه في قلوب شعبها من ثقة، وما تبنيه بينهم من جسور المحبة والانتماء. ومن هنا، لم يكن التفاف البحرينيين حول قيادتهم في هذه المرحلة موقفًا عابرًا، بل كان تعبيرًا صادقًا عن علاقة تاريخية قوامها الوفاء، والاحترام، والإيمان بأن هذه القيادة كانت وستظل الحصن الذي يحفظ الوطن، ويصون مكتسباته، ويقوده بثبات نحو المستقبل.
وطني... يا أجمل الأسماء حين تُنطق، البحرين نور العين.. ويا أصدق الدعوات حين تُرفع إلى السماء، ويا نعمةً نحمد الله عليها في كل صباح ومساء، سيبقى حبك أكبر من الكلمات، وأعمق من الحروف، وأرسخ من كل محاولات التشكيك أو التهديد. وستظل البحرين، بإذن الله، واحةً للأمن والسلام، ومنارةً للتسامح، وموطنًا للعزة والكرامة؛ لأن لها قيادةً حكيمة تستشرف المستقبل ببصيرة، وشعبًا وفيًا يعرف أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بالمحبة الصادقة، والعمل المخلص، ووحدة الصف. وستبقى راية مملكة البحرين خفاقة، وسيبقى الولاء لها ولقيادتها شرفًا نحمله في قلوبنا قبل أن تردده ألسنتنا، وسيظل ترابها أغلى من كل كنوز الدنيا؛ لأنها ليست وطنًا نعيش فيه فحسب، بل وطنًا يعيش فينا... وسيبقى، ما بقي في القلب نبض، الحب الأبدي.
كاتبة بحرينية
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |