العدد 6482
الثلاثاء 14 يوليو 2026
الرواية العربية.. مرآة النفس والإنسان
الثلاثاء 14 يوليو 2026

لطالما زخرت الرواية العربية بالبعد الإنساني، إذ حرص الروائي على تجسيده وفق نمطه واسلوبه الخاص متجلياً في المكان، والشخصيات، والأحداث أو الحقبة الزمنية التي يسلط عليها الضوء. 

وتعد اعمال الاديب نجيب محفوظ خير شاهد ودليل على تجليات البعد الانساني في الرواية العربية حيث اخرج نجيب الحارة المصرية من قوقعتها كحارة عادية تغص سككها بالمارة والاطفال وتزدحم فيها المقاهي بالعمال والمثقفين والمناضلين، تتفرع فيها الاراء، وتتبلور فيها الأحداث والمعاناة والصراع بين الخير والشهر وتغص بالمشاهد العميقة والمختزلة الى فضاء رحب وواسع جعل منها عالماً بأكمله، عالماً صاغه نجيب منطلقاً من مفهوم الحارة المصرية القديمة والذي يعد سبباً رئيسياً في حصول الأديب نجيب محفوظ على جائزة نوبل لعام ١٩٨٨ إذ تمخض الابداع من خلال تصويره الخاص والمحلي للبعد الإنساني في الشخصيات والأحداث. 

ويتضح ذلك في العديد من رواياته الشهيرة الصيت كرواية (( بداية ونهاية )) ، (( زقاق المدن )) ، (( الحرافيش ))،(( ثلاثية نجيب محفوظ الأشهر : السكرية، قصر الشوق وبين القصرين )) وغيرهم من الأعمال التي تحولت فيما بعد إلى عدد كبير من الأفلام العربية وترجمت للكثير من اللغات كالاسبانية والانجليزية . 

وتعتبر المجموعة القصصية (( الشيطان يعظ )) خير مثال يزخر بالمفهوم الانساني إذ أنها تتبلور حول العديد من الشخصيات التي تمثل الصراع بين الخير والشر ومفارقات النفس البشرية، تصطدم فيها ذات الانسان مع الشيطان الذي يمثل رمزاً للتبرير الداخلي في ابتعاد الانسان عن قيمه واخلاقه وتصويره للجشع والطمع على انه فضيلة ذات قيمة عالية، حيث تجسد الشيطان في النصوص المطروحة إما كفكرة، أو مبدأ، رغبة أو فلسفة نجح من خلالها نجيب محفوظ تسليط الضوء على هذه التناقضات بوضعها في بوتقة واحدة تصب في شخصية تتمكن من التغلب على النفس البشرية والدخول معها في حرب نفسية مستنزفة. 

وفي هذا الإطار يمتد الحديث عن تجليات البعد الإنساني في أعمال نجيب محفوظ إلى المنظور النفسي في الدراسات النقدية حيث تناولت الدكتورة فوزية بو القندول منظور البعد الانساني في الرواية العربية من خلال  الاتجاه النفسي الذي يتأطر في عنصرين هما : علم النفس التحليلي من حيث النشأة والاسس وعلاقة علم النفس بالفن والأدب، و عبر استعراض هذين العنصرين نرى بأن الأدب يدخل في عملية معقدة تتداخل فيها الجوانب الثقافية والاجتماعية والنفسية وبذلك تبرز الرواية كفن أدبي يتم من خلاله دراسة الحالة النفسية للشخصيات الروائية ومدى ارتباطها بواقع الأديب والسلوك البشري من الناحيتين العقلانية و العاطفية . 

ويتجلى البعد النفسي للشخصيات الروائية العربية من حيث شكلها الخارجي كونها رئيسية ، ثانوية أو نمطية أو علاقتها ببعضها البعض ، كما تدخل العناوين كرئيسية وفرعية في هذا السبق متمايزة في المضمار علاوة على الصورة والألوان التي تحظى بها الرواية . 

ولا يخلو البعد الإنساني من القيم التي تمثل حبكة محكمة تتميز بها الشخصيات الروائية حيث تأتي في سياق التجارب الإنسانية المتعددة إذ يهدف الكاتب منها تقديم صورة جميلة ومؤثرة تلقي صداها للمتلقي والقارىء والمستمع على حد سواء . 

وبهذا يتضح أن البعد الإنساني لا يمثل عنصراً ثانوياً في الرواية بل هو الجوهر الحقيقي الذي يكشف الروائي من خلاله أعماق النفس البشرية، عاكساً قضايا المجتمع مما يمنح القارئ فرصة للتأمل في ذاته وفي العالم من حوله ومن هنا يصور الأدب القيم الإنسانية كمبادئ يتم السعي لتحقيقها بإخلاص عبر الرواية العربية التي تجسد مختلف حالات الإنسان النفسية والاجتماعية والفكرية مما يجعلها تتجاوز حدود الزمان والمكان لتخاطب الإنسان أينما كان. 

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .