ليست الكويت ساحة اختبار، وليست سيادتها رسالة يمكن أن تُكتب بالنار. وما جرى في 28 مايو 2026 من اعتداءات إيرانية غاشمة على الكويت هو فعل مدان بكل المقاييس، وانتهاك صريح لحرمة دولة ذات سيادة، ومحاولة مرفوضة لفرض منطق التهديد على الخليج. غير أن من أطلق التهديد أخطأ العنوان؛ فالكويت لا تُرهب، والخليج لا يخضع، والحكمة الخليجية ليست بابًا للابتزاز.
لقد اختار الخليج، في مواجهة الاستفزازات الإيرانية، أن يمسك عصا الحكمة لا عصا الانفعال. لم يندفع إلى الفوضى، ولم يمنح المعتدي فرصة جرّ المنطقة إلى مشهد أراده ملتهبًا. لكن هذا الاتزان لا يعني صمتًا، وهذا الصبر لا يعني قبولًا، وهذه الحكمة لا تعني أن الخليج بلا أنياب. فالدول الواثقة لا تصرخ كي تثبت قوتها، ولا تتسرع كي تثبت كرامتها؛ بل تحدد موقفها، وتضبط إيقاعها، وتختار ردها من موقع القدرة لا من موقع الارتباك.
إن الاعتداء على الكويت لا يمكن التعامل معه كحادث عابر أو تفصيل في سجل التوترات. إنه مساس مباشر بمبدأ لا يجوز التهاون فيه: سيادة الدول وحرمة الجوار. فلا قيمة لأي خطاب عن حسن العلاقات إذا كانت حدوده تنتهي عند أول صاروخ، ولا معنى لأي حديث عن الاستقرار إذا كان يُناقضه فعل عدواني يستهدف أرضًا آمنة ودولة مسالمة. ومن هنا فإن الرفض الكويتي والخليجي ليس موقفًا عاطفيًا، بل دفاع عن قاعدة أساسية في العلاقات بين الدول: لا أمن بلا احترام، ولا جوار بلا مسؤولية، ولا حوار تحت التهديد.
الكويت، بتاريخها المعروف في الدبلوماسية والاتزان، لم تكن يومًا دولة تسعى إلى التصعيد أو تصنع الأزمات. لكنها في الوقت ذاته لم تكن، ولن تكون، دولة تقبل أن تُختبر سيادتها أو يُساء فهم حكمتها. فهذه الأرض التي خبرت المحن تعرف معنى الثبات، وهذا الشعب الذي صان دولته في أصعب اللحظات يعرف أن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل موقفًا يُحفظ، وحدًّا لا يُسمح بتجاوزه.
وعلى إيران أن تفهم أن الخليج، رغم حرصه على تجنب التصعيد، لا يقف في موقع الضعف. هو لا ينجرف خلف الاستفزاز لأنه أوسع أفقًا من أن يُدار بردة فعل، ولا يستجيب للتهديد لأنه أرسخ من أن يُبتز. الخليج يمد يده للحكمة حين تكون الحكمة ممكنة، لكنه لا يمد رقبته للعدوان. وهذه هي المعادلة التي يجب أن تُقرأ جيدًا: ضبط النفس خيار قوة، لا علامة خضوع.
إن الاكتفاء بالشعارات عن الجيرة وحسن النوايا لم يعد مقبولًا حين تُنتهك السيادة وتُهدد الدول. الجيرة ليست كلمات تُقال في المؤتمرات، بل احترام للحدود، وامتناع عن العدوان، وإقرار بأن أمن الدول ليس ورقة في يد أي طرف. ومن يريد أن يُعامل كجار، فعليه أولًا أن يتصرف كجار؛ لا كخصم يختبر الأبواب، ولا كقوة تسعى إلى فرض الحضور بالتهديد.
اليوم، تقول الكويت كلمتها بهدوء القادرين: لا للعدوان، لا للتهديد، لا لتحويل أراضي الدول إلى ساحات رسائل. ويقول الخليج معها: لن نخضع، ولن ننجر، ولن نسمح لمنطق الاستفزاز أن ينتزع منا حكمتنا أو يسرق منا حقنا في حماية سيادتنا. إن ضبط النفس الخليجي لم يكن فراغًا في القرار، بل نضجًا في إدارة الأزمة؛ ولم يكن تراجعًا أمام إيران، بل رفضًا لأن تتحكم إيران في توقيت المنطقة ومزاجها ومصيرها.
نحن باقون هنا. باقون في الكويت، وفي الخليج، وفي الموقف الذي يجمع بين الحكمة والحزم. ستبقى الكويت شامخة، وسيبقى الخليج ممسكًا بعصا الحكمة ما دام ذلك يحمي الاستقرار، لكنه لن يسمح لأي تهديد أن يكسر إرادته أو ينتقص من سيادته. ومن يظن أن الحكمة الخليجية انحناء، فليقرأ التاريخ جيدًا: الخليج لا ينحني، والكويت لا تُكسر.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |