العدد 6486
السبت 18 يوليو 2026
رؤية مغايرة فاتن حمزة
فاتن حمزة
عندما يُختبر القانون الدولي
السبت 18 يوليو 2026

ليست جميع الأزمات التي تمر بها المنطقة متشابهة، فبعضها يقتصر أثره على حدود السياسة، بينما يتجاوز بعضها الآخر تلك الحدود ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمصداقية النظام الدولي بأكمله. وما تشهده المنطقة اليوم من اعتداءات متكررة على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، وتهديد الممرات البحرية الدولية، يضع العالم أمام سؤال جوهري: هل مازال القانون الدولي مرجعًا يحكم العلاقات بين الدول، أم أنه أصبح مجرد نصوص تُستحضر عند الحاجة وتُغيب عندما تتعارض مع المصالح؟

إن احترام سيادة الدول لم يكن يومًا خيارًا سياسيًا، بل هو حجر الأساس الذي قامت عليه منظومة الأمم المتحدة، والضمانة الأولى لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين. لذلك فإن أي اعتداء يستهدف أراضي الدول أو منشآتها المدنية أو بنيتها التحتية لا يمثل انتهاكًا لحقوق دولة بعينها فحسب، إنما اعتداء على المبادئ التي توافق عليها المجتمع الدولي بعد عقود طويلة من التجارب والصراعات.

ومن هنا، فإن ما أكده مجلس الوزراء في بيانه الأخير يجسد رؤية واضحة تنطلق من القانون الدولي قبل أن تنطلق من الاعتبارات السياسية، إذ شدد على أن الاعتداءات المستمرة والمدانة التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية، وتهدد أمن المواطنين والمقيمين وسلامة السفن وحرية الملاحة البحرية، تمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول، ومخالفةً صريحةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلًا عن تعارضها مع قرار مجلس الأمن رقم (2817) لسنة 2026، وما تمثله من نكثٍ للتعهدات التي قطعها النظام الإيراني بموجب مذكرة تفاهم إسلام آباد.

إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بأكثر من بيانات الإدانة، لأن قيمة القانون لا تقاس بجمال نصوصه، إنما بقدرته على حماية من يخضع له، وردع من ينتهكه. 

فحين تتكرر الاعتداءات دون موقف دولي حازم، فإن الرسالة الأخطر التي تصل إلى العالم هي أن الالتزامات الدولية أصبحت قابلة للتجاوز، وأن مبدأ سيادة الدول لم يعد يحظى بالحماية التي يستحقها.

ولعل أحد أخطر أوجه هذه الاعتداءات يتمثل فيما تشكله من تهديد للملاحة الدولية في مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الذي لا يخص دول الخليج وحدها، بل يمثل ركيزة أساسية لحركة التجارة العالمية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. فسلامة هذا الممر ليست قضية إقليمية، إنما مسؤولية دولية مشتركة، لأن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وتطول آثارُه الشعوب.

لذلك، فإن حماية حرية الملاحة وتأمين مرور السفن في مضيق هرمز ليس مطلبًا سياسيًا عابرًا، إنما التزام يفرضه القانون الدولي، وتقتضيه المصالح المشتركة لجميع الدول التي تؤمن بأن ازدهار الاقتصاد العالمي يبدأ من استقرار طرق التجارة البحرية وأمنها.

وفي خضم هذه التطورات، يبرز الموقف البحريني بوصفه نموذجًا للدولة التي تجمع بين الحكمة والثبات؛ فهي تدعو إلى احترام القانون الدولي، وتتمسك بخيار الأمن والاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تؤكد حقها المشروع، الذي تكفله قواعد القانون الدولي، في الدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها، وحماية مواطنيها والمقيمين على أرضها من أي تهديد.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في بيان مجلس الوزراء هو تلك الرسالة الواضحة بأن هذه الاعتداءات لن تنال من عزيمة المملكة ولا من تماسك شعبها، وهي رسالة تعكس الثقة بالدولة ومؤسساتها، كما تعكس وعي المجتمع البحريني بأن أمن الوطن مسؤولية جماعية، وأن التحديات الكبرى لا تزيد الأوطان المتماسكة إلا قوة وصلابة.

وفي السياق ذاته، يكتسب تضامن مملكة البحرين الكامل مع الدول الشقيقة، ودعمها كل ما تتخذه من إجراءات مشروعة لحماية أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها، أهمية خاصة، لأنه يعكس إيمانًا راسخًا بأن أمن الخليج منظومة واحدة، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا بتكاتف دولها، ووحدة مواقفها، واحترام سيادتها.

إن العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن ينتصر لمبادئ الشرعية الدولية، ويثبت أن القانون مازال المرجعية العليا في العلاقات بين الدول، أو أن يسمح باستمرار الانتهاكات بما يقوض أسس النظام الدولي نفسه. وحينها لن تكون الخسارة مقتصرة على دولة أو منطقة، بل ستمتد إلى النظام العالمي بأسره.

فاحترام السيادة، وحماية الملاحة الدولية، والدفاع عن القانون الدولي، ليست شعارات دبلوماسية، بل هي الركائز التي يقوم عليها أمن العالم واستقراره. وكل تهاون في صون هذه المبادئ خطوة نحو عالم أقل أمنًا، وأكثر اضطرابًا، وأبعد عن العدالة التي قامت عليها الشرعية الدولية.

 

*كاتبة بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية