لم تكن الجلسة الحوارية التي قدمها الدكتور علي الرميحي، رئيس مجلس أمناء معهد البحرين للتنمية السياسية، مجرد محاضرة عن الإعلام الجديد، بل كانت دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للوعي الوطني، في زمن أصبحت فيه المعلومة من أخطر الأسلحة التي يمكن أن تهدد أمن واستقرار الأوطان. وليس الدكتور الرميحي غريبًا عن هذا الملف، فقد واكب مسيرة الإعلام البحريني في مواقع قيادية عدة، وقاد مبادرات هدفت إلى ترسيخ الوعي الوطني لدى الشباب، محذرًا مبكرًا من تأثير منصات التواصل الاجتماعي على تشكيل الوعي، بعدما أصبحت المصدر الأول للمعلومة لدى شريحة واسعة منهم.
خلال الجلسة استذكر المحاضر مقولته في الملتقى الإعلامي بجامعة الدول العربية عام 2019، بأن “كل خبر غير صحيح حتى تثبت صحته”، مشيرًا إلى أن تطور الإعلام والاتصال جعله في كثير من الأحيان جزءًا من المشكلة، بما ينعكس سلبًا على وعي المجتمعات، ولاسيما الشباب، ويسهم في هدم كثير من القيم التي شكلت هويتنا الوطنية والعربية. ولعل من أبرز الرسائل التي استوقفت الحضور، التأكيد بأن الوعي السياسي لا يقتصر على متابعة الأحداث، بل يقوم على فهم النظام السياسي، وإدراك الحقوق والواجبات، وتحليل القضايا بعقلانية، وهو ما يميز الوعي الحقيقي عن التسييس القائم على الانفعال والانتقائية. كما لفت إلى أن معركة اليوم أصبحت معركة وعي، تستخدم فيها الشائعات، والحسابات الوهمية، وحملات التضليل، والتلاعب بالخوارزميات للتأثير على المجتمعات، مؤكدًا أن حماية الأمن الفكري تبدأ من بناء ثقافة التحقق وعدم الانسياق وراء كل ما ينشر على المنصات الرقمية. ولعل أخطر ما في هذه المعركة أنها تخاض داخل هواتفنا، وهو ما يجعل مسؤولية الفرد اليوم أكبر من أي وقت مضى.
ولم يغفل الدكتور الرميحي أهمية الهوية الوطنية، موضحًا أنها تقوم على اللغة والتاريخ والثقافة والقيم، وأن مسؤولية ترسيخها مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، ومؤسسات المجتمع، مشددًا على أن احترام القانون والوحدة الوطنية والعمل المنتج هي الممارسات الحقيقية التي تعكس الانتماء للوطن.
أما الرسالة الأهم فهي أن بناء الإنسان الواعي الضمانة الحقيقية لاستقرار الدول، وأن المجتمعات التي تحافظ على وحدتها وثقتها بمؤسساتها تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات، فيما تدفع المجتمعات المنقسمة والمنساقة وراء الشائعات ثمناً باهظاً لأمنها واستقرارها.
وفي ظل التحديات الحالية، تبرز أهمية المبادرات التي يطلقها معهد البحرين للتنمية السياسية في ترسيخ الوعي الوطني لدى الشباب، حيث تسهم هذه البرامج في بناء جيل أكثر وعياً وتمسكاً بهويته وقدرة على مواجهة التضليل، بما يعزز مناعة المجتمع ويحمي مستقبل الوطن.
كاتب وإعلامي أردني