يا فؤادي لا تسل أين الهوى،
كان صرحاً من خيالٍ فهوى..
اسقني واشرب على أطلاله،
واروِ عني طالما الدمع روى..
كيف ذاك الحب أمسى الخبر خبراً،
وحديثاً من أحاديث الجوى..
لقد أصاب الشاعر المصري إبراهيم ناجي في تحليله، وقدم تلخيصا شاملا لما يعيشه بعض المراهقين والمراهقات من شعور، ففي هذه المرحلة العمرية بالذات تفيض الكثير من المشاعر الجياشه، ويندفع بعض الشباب في علاقات عاطفية ظناً منهم أنهم يعيشون الحب، ليكتشفوا لاحقاً أنها تنهار وتتحول إلى أنقاض وأطلال.
وحينها يتساءلون بشيء من المرارة: ماذا حدث لصرح الحب العظيم؟ ولأن الحقيقة في هذا الأمر قاسية وغير مريحة، يجب القول إن المشكلة ليست في الحب نفسه، بل في أن الأفراد يميلون إلى حب "الحبكه الدراميه" المحيطة بالشخص الآخر، لا الشخص ذاته.
وبما أن المراهقين يمرون بمرحلة التكوين والنمو، فإنهم يميلون بطبيعتهم إلى التمرد، والبحث عن التميز، وحتى محاكاة الأدب والروايات التي يقرؤونها. وفي هذا السياق، قد يقع الفتى في بعض الأخطاء، وتغرق الفتاة في فخ الوهم الرومانسي. وتصبح العلاقة مثيرة ومغرية ليس بسبب شخصية الطرف الآخر أو نضجه، بل لوجود عقبة أو فوارق تجعل الأمر برمته مغامرة مشوقة.
على سبيل المثال، لنأخذ حالة الفارق السني الكبير. يحدث أن تنجذب الفتاة المراهقة لرجل يكبرها بكثير، وقد تظن أن الأمر كذلك لأن مقولة "كل فتاة بأبيها مغرمه" تتبادر إلى الذهن. وهكذا، تبحث الفتاة الصغيرة عن الأمان، وعن أب يحميها، وبدلاً من إدراك هذا الاحتياج النفسي، يُنظر إليه على أنه حب. وبطريقة مماثلة، غالباً ما تُقدم الفوارق الاجتماعية كنوع من تجارب "روميو وجولييت" القائمة في الغالب على التحدي والتمرد. وهناك أيضاً سبب آخر يفسر انجذاب الشخص لآخر، وهو هالة الشهرة والنفوذ الذي يحيط بذلك الشخص.
ومن الواضح أن العلاقات التي تنشأ على هذه الأسس محكوم عليها بالانهيار عاجلاً أم آجلاً، لأنها تعني أن الناس مدفوعون بعوامل خارجية وأوهام، لا بتوافق حقيقي واحترام ونضج عاطفي. وعندما تصطدم أرض الواقع بالأحلام، يكتشف المرء أنه كان غارقاً في حب خياله الذي صنعه بنفسه.
ولهذا السبب، أود أن أوجّه هذا التحذير المخلص إلى أبنائي وبناتي بكل ما أحمله من مشاعر الأمومة، ومن قلب يتسع لكم جميعا، ولا يتمنى ان يقع احدكم في مشكله تورث ألما لكم ولوالديكم.
يا أبنائي ويا بناتي:
إن قلوبكم ثمينة ولا يمكن هدرها في تجارب تسعى لهدف واحد فقط، وهو العيش في عالم الخيال. تريثوا وتمهلوا حتى تصبحوا قادرين على اتخاذ القرارات وفهم العواقب؛ وقبل التورط في مثل هذه التجارب،
إذا شعرتم بالضياع، وأن ثمه خطأ ما أو التبست عليكم الطرق، إرتموا في أحضان والديكم وتحدثوا معهم. إن والديكم هما الجهة الأكثر رحمة وحباً وحماية في حياتكم، وحضنهما هو الأكثر أماناً وصدقاً على الإطلاق.
لا تتركوا قلوبكم تتحول إلى أطلال، فالحب الحقيقي يثمر ازدهاراً واستقراراً بوضوح الشمس وبغطاء شرعي. يأتي الحب الحقيقي عندما يحين الوقت المناسب ليجعل حياتكم أكثر ثباتاً وسكينة. إن قلوبكم لا يمكن أن تكون حقل تجارب، ومن غير الحكمة أن تصنعوا الأوهام، وتبنوا صروحا من خيال، وإلا ستستيقظون يوماً ما لتجدوا أنفسكم تبكون فوق الأطلال ..