العدد 6456
الخميس 18 يونيو 2026
عن مكارم الأخلاق: "السنع والذرابة" وحقوق المرأة (16)
الخميس 18 يونيو 2026

في العصر الحديث، ومع الركض المتسارع خلف الغايات المادية وهيمنة الأيديولوجيات الجامدة التي تروج لها الحضارة الغربية، يبدو أن هناك فقداً لبعض السمات الإنسانية الدقيقة، وهي السمات الجوهرية التي تعكس الكرامة الإنسانية الفطرية. وإن تأمل نمط الحياة في الحواضر الغربية يكشف عن غياب هذه السمات، حيث يتراءى فقدانها الجلي في صورة مجتمع متصلب. على سبيل المثال، في وسائل النقل العامة، عندما تكافح امرأة مسنة أو حامل لتجد مقعداً لنفسها، لا يلحظ المرء أي جهد عفوى للمساعدة من جانب الرجال. إن ما يسود هناك هو نوع من المساواة الآلية في الحقوق المبنية على دفع أجور متساوية، دون أن يمنح الجنس أو العمر أو العجز المؤقت أي امتياز اجتماعي أو التزام أخلاقي.

هذا النمط السلوكي المحدد يمثل فارقاً حضارياً عند مقارنته بالعالم الإسلامي. ففي حضارتنا، لم نتخل عن فكرة حماية المرأة والوعي بضعفها الفطري لصالح الحسابات العقلية الباردة، ولم نتركها معزولة في فراغ، بل طورنا منظومة من مكارم الأخلاق جنباً إلى جنب مع الأعراف والثقافة ذات الصلة، والتي تعترف بالمرأة كشخص يسترعي الرعاية والتكريم.

إن ما يمكن أن يقال عن "السنع والذرابة" في حضارتنا يتجاوز مجرد إطراء المرأة بكثير، إذ يعبر "السنع والذرابة" في تقاليدنا عن حس الشهامة والرجولة التي ترى في إعطاء الأولوية في الجلوس للمرأة المسنة والحامل في حافلات النقل، أو إفساح المجال لها أثناء الانتظار في الطوابير، أو تقديم العون لها وسط الحشود، أمراً من قبيل الفضيلة. وأي رجل في مجتمعنا ينهض طواعية من مقعده مدفوعاً بشعور المسئوليه والمروءة. وكل هذا ينبع من كونه يرى نفسه مسئولا  عن ذلك كفرد في أسرته، حيث تستحق المرأة في محيطه التوقير والاحترام.

لقد حمى الإسلام كرامة المرأة بمنحها حقوقاً تتجاوز بكثير أي لوائح شكلية، وتمثل قيم العدالة الإنسانية والشرف. وفي محاولاته لفصل الفروق الفطرية عن سياقها الصحيح، فإن النظم الغربية تعرّض الضعيف لسطوة القوي. إن "السنع والذرابة" لدينا يعكسان الأخلاق النبيلة للإسلام، وتغدو الشهامة درعاً لحماية شرف المرأة، مما يجعلها، في جميع مجالات الحياة، كينونة غالية ومصونة ومحترمة من الجميع أينما حلت وارتحلت.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .