ليلة عاشوراء، حين أطفأ الإمام الحسين بن علي عليه السلام السراج، أذن لمن معه بالرحيل - لمن يحب - قبل الدخول في المعركة. وكانت الفرصة متاحة للجميع للانسحاب بهدوء والنجاة بأنفسهم، لكنهم بقوا.
لم يبقوا لأنهم لا يعرفون المصير، فنتيجة الحرب كانت متوقعة سلفًا! بل لأن الصحبة الصالحة تجعل الإنسان يرى النجاة بطرائق مختلفة. فالبعض ينجو بجسده ويخسر نفسه، والبعض يخسر جسده ليحفظ روحه ومبادئه وموقفه. لهذا لا ينبغي أن ننظر إلى أصحاب الحسين (ع) بوصفهم شخصيات تاريخية فقط، بل بوصفهم نموذجًا يوميًّا لسؤال يتكرر في حياة كل واحد منا: من هم الأشخاص الذين نختارهم كأصدقاء وأصحاب، ورفقاء درب في حياتنا؟ وهل سيقفون إلى جانبنا، إن لم تكن لهم مصلحة في بقائهم معنا؟ فالصداقة ليست وقتاً يُقضى، ولا أحاديث تملأ الفراغ، ولا صورًا جماعية تحفظ للذكرى! الصداقة الحقيقية موقف. وفي كربلاء، تجلت هذه الحقيقة بأوضح صورها. فأصحاب الإمام الحسين عليه السلام لم يكونوا مجرد جنود في معركة، ولم تجمعهم به مصلحة أو منفعة دنيوية - وهو السائر بهم إلى الموت - بل كانوا رجالاً اختبروا معنى الصحبة حتى أصبحت العلاقة بينهم وبين إمامهم أبعد من صحبته، لتتجاوزها إلى صحبة أبيه وجده، كما تجسد ذلك في شيخ الأنصار حبيب بن مظاهر الأسدي الذي صحب جده النبي الأكرم محمد (ص).
الكثير من الانحرافات الكبرى تبدأ بصحبة سيئة، والكثير من النجاحات الأخلاقية تبدأ بصديق صالح. فالأصدقاء لا يغيرون جدول يومك فقط، بل قد يغيروا مصيرك كله. كلمة منهم قد تدفعك إلى طريق، وموقف منهم قد يثبتك على حق، أو يجرك إلى باطل! لهذا فإن أعظم ما نتعلمه من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ليس فقط كيف نموت من أجل قضية عادلة، بل كيف نختار من نسير معهم قبل أن يأتي يوم الامتحان. لأن الإنسان عندما تحاصره المواقف الصعبة لا يصنع نفسه من جديد، بل يكتشف معادن من حوله من الناس، ومن اختارهم كأصحاب.
ياسمينة: الصديق الصالح زينة للحياة، وأحد أسباب النجاة بالآخرة.
*كاتبة بحرينية