قال الصديق: لماذا يعتبر البعض المثقفين وكأنهم ملائكة يحملون مشاعل الحق والحرية لينيروا بها السبيل للناس؟ في حين نرى ونلمس كل يوم العديد منهم يسهمون بشكل واضح في تزييف الواقع وتزييف الوعي، بل وقد ينحازون إلى شعبوية ماضوية بالرغم من ادعائهم التنوير والحداثة، ويبدون عاجزين عن الحسم والقطيعة مع أشكال الاتباعية والتخلف، وبعضهم يدافعون بشراسة عن ذلك، والبعض الآخر يعمل على خلق معادلات مزيفة بين ماض انقضى وحاضر مفارق للواقع، ومستقبل غير وارد في أجنداتهم؟
قلت للصديق: أن تكون مثقفاً أو حتى مجرد كاتب جوال في المقاهي وعلى الأرصفة، لا فرق، فأنت بالضرورة ملزم باختيار طريقك. ولكن أن تكون مثقفا حقيقيا يعني بالضرورة أن تكون أنت نفسك دون مكياج أو تزييف. وهذا وحده يمكن أن يسهم في إنقاذ العالم من حالة الاغتراب والزيف. المثقف هو من ينتصر للحقيقة والقيم الإنسانية، في مواجهة المزيفين، أو بتعبير المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس، إنقاذ العالم من “مزيفي العملة الثقافية”، كتعبير عن أقصى درجات الانحطاط. فعندما يسهم أمثال هؤلاء في تزوير القيم والأفكار من خلال الديماغوجية والكذب ونشر الكراهية والعنصرية، أو تضليل الرأي العام وتمرير الأكاذيب، تماماً كما تُمرر العملة المزورة، يكون ذلك تعبيرًا عن أقصى درجات الجشع والانتهازية وشهوة النجومية المزيفة والادعاء المعرفي. ويؤكد المفكر الفرنسي في كتابه: (مثقفو التزييف) أن تزوير النقود يؤدي إلى تدمير الاقتصاد، والتزوير الثقافي يفضي بالضرورة إلى تدمير الثقافة، من خلال تحويل كل ما هو جدي وأصيل وصادق إلى مزيف، وتحويل الحوارات والنقاشات الجادة العميقة إلى مجرد معارك وهمية ومزيفة.
قال الصديق: وكيف يستطيع المتابع العادي لما ينتجه المثقفون التمييز بين المثقف الحقيقي والمثقف المزيف أو المزور؟
قلت: الثقافة مسؤولية والتزام وانتصار للفكرة في أبعادها الإنسانية. لهذا؛ ينتصر المثقف الحقيقي بالضرورة للموضوعية على حساب الذاتية، ومن الصعب أن يكون كذلك إذا ما كرس نفسه وفكره وإبداعه لخدمة تيارات آيديولوجية أو مصالح شخصية، لأن رسالته تتجاوز التصنيف والطمع والهوى، أما المثقف المزيف فهو غالبًا ما يستخدم المعرفة كأداة للتجهيل الممنهج، لتحقيق المكاسب على حساب الحقيقة. وغالبًا ما تعمل وسائل الإعلام على إبراز وتضخيم صورة هذا الصنف من المثقفين وتلميعهم. وللحديث صلة.
*كاتب وإعلامي بحريني