العدد 6453
الإثنين 15 يونيو 2026
من أجل تعزيز مدنية الدولة
الإثنين 15 يونيو 2026

يحتاج أي نظام ديمقراطي إلى وجود مجتمع سياسي مدني، للإسهام في تطوير الحياة السياسية ومنحها معنى. ولكي تكون هنالك جمعيات سياسية مدنية حقيقية لابد أن تكون ناشئة من رحم الدولة المدنية نفسها، ومن دستورها وقانونها، وليست مستوردة من وراء الحدود. لكننا في الواقع نجد العديد من القوى السياسية في البلاد العربية، مؤسسة آيديولوجيا من أفق مفارق للواقع وأحيانا غير ديمقراطي، وغير مدني يستند إلى آيديولوجيات ذات منبت خارجي، ما يمنع حدوث التطور الطبيعي المدني لأي حراك سياسي.
إن أخطر ما يصيب الحياة السياسية ويمنع تطورها بطريقة سلمية هو وجود جمعيات وجماعات تعمل ضمن أفق الإسلام السياسي بتعبيراتها الطائفية المختلفة، وتهيمن بشكل مباشر أو غير مباشر على الحياة السياسية والاجتماعية، بما تمتلكه من تأثير على جمهور المؤمنين، ومن موارد وفضاءات أغلبها يعمل خارج رقابة الدولة، ولذلك كان من الطبيعي أن نشهد اتساعًا للمشاعر والرؤى الطائفية واتساع تأثيرها السلبي على الوعي السياسي المجتمعي. وفي المقابل لم يعد للقيم الروحية والتربوية والأخلاقية تأثير كبير على السلوك السياسي للأفراد، كما تعمقت المفارقة بين الانتماء الديني بما يفترضه من قيم روحية وأخلاقية، وبين المنزع الطائفي الذي أسهم ويسهم في تعزيز الكراهية والتأثير سلبًا على وحدة المجتمع وجبهته الداخلية.
إن تنامي هذا النوع من الخطاب المشحون بالرؤى والبرامج الطائفية، يشكل خطرًا داهمًا على المجتمع، خصوصًا في ظل فقر البيئة الثقافية والفكرية، بما يحمله من أفكار التكفير والتغيير بالقوة التي أسست لنشوء عصابات ومليشيات تتغذى على هذا الفكر في أكثر من بلد عربي.
إن هذه العصبيات ضيقة الأفق تعمل على إدامة الانقسام المجتمعي، والحروب بين الطوائف لأنها مشغولة فقط بإنزال الهزيمة بالطوائف الأخرى، أو بنقل الهيمنة من طائفة إلى أخرى. لذلك فإن الحل الأهم لمواجهة هذه النزعات يتمثل في منع تأسيس جمعيات على أساس طائفي وبناء وتوحيد المؤسسات على أساس مدني، وتعزيز ثقافة الوحدة الوطنية، حتى يشعر المواطن بأن انتماءه للدولة يحقق مواطنيته الكاملة. إنها مسألة تشريعية وسياسية وثقافية مركبة، تقوم بالضرورة على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، وبناء علاقات قائمة على السلام والتسامح والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، بعيدًا عن التقسيمات الطائفية. إنها مسألة ضرورية وجوهرية ضمن مشروع ورؤية متكاملين.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية