العدد 6453
الإثنين 15 يونيو 2026
إختر جوهراً، فالبريق زائل..
الإثنين 15 يونيو 2026

حيثما وجد الإخلاص، سقطت الفوارق الطبقية بين البشر،فلا تتقدم الوفرة والثراء يوماً على الفقر، ولا تطغى مكانة لصاحب سلطه على قيمة حارس بسيط مفعم بالإيمان. 

الحب الصادق منزه عن المنفعة وخالٍ من زيف المظاهر، فهو كالمطر الهاطل لا يفرق بين الناس، يغمر أرواحهم بالسكينة والراحة، بعيداً عن صخب الشهرة وبريق الثراء.

وفي طيات التاريخ العربي شواهد بليغة على مثل هذه المشاعر النقية، فها هي أميرة الأندلس، ولادة بنت المستكفي، تستقبل في صالونها الأدبي وفوداً من رجال السياسة وعلية القوم وأرباب المال، لكنها ـ دون اكتراث بالنفوذ والسياسة ـ اختارت رجلاً بقلبها وعقلها معاً، وهو "ابن زيدون". لم يكن لقب "الوزير" يحمل في عينيها قيمة بذاته، بل جذبها فيه مزيج فريد من الذكاء الفذ، والتبحر في الأدب، والحكمة، فكان لروحها وطناً وملاذاً، ولعقلها رفيقاً مجانساً. وهكذا نشأت بينهما علاقة سامية قوامها النبل والمودة المتبادلة، وهي ذات العلاقة التي خلدها ابن زيدون في رائعته "النونية"، بقوله:

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم
رأياً ولم نتقلد غيره دينا.. 

إن كون اختيار ولادة لإبن زيدون محكوماً بالسمات الفكرية والجوهر الإنساني، لا بالرغبة في تبوّء مناصب اجتماعية رفيعة، يحمل إسقاطاً بليغاً على عصرنا الحالي. فالشباب اليوم، في ظل الشروط والالتزامات المادية التي لا تحصى، يرزحون تحت وطأة الضغوط المجتمعية، حتى غدا الزواج وتأسيس الأسرة مقترنين في الغالب بالوجاهة، والمال، واستعراضات المظاهر. ونتيجة لذلك، تاه الجوهر الإنساني النقي، المتمثل في الاستقرار والمودة، خلف جدران المادية السميكة.

ومن هنا، تبرز حاجتنا اليوم لاستلهام العِبر القيمة من قصة ولادة وابن زيدون؛ فبدلاً من الانبهار بالرتب الزائلة والأموال الفانية، تظهر الحكمة الحقيقية في اختيار الشريك المناسب بناءً على التوافق الفكري والتفاهم المتبادل. إن من الضروري لجيل اليوم أن يدرك أن الأسر المستقرة لا تُبنى إلا بـالانسجام، والمودة، وفضائل القلوب، وهي المزايا التي تجعل من الشريك سنداً متيناً في مواجهة تقلبات الزمن، وتحمي العلاقة من الانزلاق نحو روابط عابرة تفرط في القيم والترفع.

الحب الحقيقي ليس رداءً من الوجاهة الاجتماعية يُعرض في المحافل، بل هو تجسيد للنبل والفضيلة حين تلتقي الأرواح المتآلفة. وتلك حقيقة تزداد أهمية لتؤكد لنا أن الروح لا تُشترى بالمال، وأن إخلاصها وحده هو ما يبقى حياً وخالداً مدى الدهر .

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .