العدد 6453
الإثنين 15 يونيو 2026
يوم المحامي البحريني.. إشراقة وطنية وقفزة تشريعية نحو مهنة معاصرة
الإثنين 15 يونيو 2026

يأتي يوم المحامي البحريني هذا العام في ظرف استثنائي، إذ تزامن الاحتفاء السنوي مع التصديق السامي من ملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، لقانون المحاماة الجديد رقم 24 للسنة 2026، إذ نعرب عن بالغ الشكر والامتنان لملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، على هذا التصديق الكريم، وما يمثله من دعم راسخ لمسيرة العدالة في مملكتنا. إن هذا التوقيت لم يضف طابعا احتفاليا فحسب بل منح بعدا عمليا ورمزيا يعكس حرص القيادة على تطوير منظومة العدالة وتعزيز دور المحامي كشريك أساسي في بناء دولة القانون.
لقد أُريد لهذا اليوم أن يكون أكثر من مجرد مناسبة مهنية، فهو رسالة وطنية تؤكد أن مهنة المحاماة تحظى بعناية القيادة ورعايتها، وأن المحامي البحريني هو شريك أصيل في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وحارس للحقوق والحريات، وركيزة في تحقيق العدالة الناجزة.
فالقانون الجديد يمثل إعادة قراءة لمهنة عُمّرت عقودا على نص تشريعي سابق، ويأتي استجابة لتحولات اجتماعية واقتصادية وقانونية شهدتها المملكة والمنطقة. كما أنه في أرض الواقع لا يقتصر أثر هذا التشريع على تحديث النصوص القانونية فحسب، بل يتعداه إلى إعادة ترتيب آليات مزاولة المهنة، وضبط شروط القيد، وتشديد قواعد التأديب، فهذه الإجراءات تهدف إلى رفع مستوى الممارسة المهنية، وضمان التزام أعلى بمعايير الأخلاق والاحتراف، ما ينعكس إيجابا على ثقة الجمهور في منظومة العدالة. كما أن هذه التعديلات تضع المملكة في موقع أفضل على خريطة الاستثمار والخدمات القانونية الإقليمية، وهذا التوجه يعكس فهما واقعيا لحاجة السوق القانونية المعاصرة.
فالأبعاد الاجتماعية للتشريع لا تقل أهمية عن البعد التشريعي نفسه، فالمحامي اليوم هو أكثر من ممثل أمام قاضي؛ هو وسيط ثقافي وقانوني يساهم في نشر الوعي بحقوق المواطنين وواجباتهم، وفي حماية الحريات المدنية داخل المجتمع. كما أنه بتعزيز استقلالية المحامي وتنظيم ممارسته، يسهم القانون في بناء جسور ثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة، ويحفز على تزايد الوعي القانوني الذي يعد ركيزة لاستقرار المجتمع وسلامة العلاقات المدنية. كما أن وجود إطار قانوني واضح وصارم للتأديب يطمئن الجمهور بأن المهنة تحاسب نفسها، ما يعزز مصداقيتها ويحد من التجاوزات المحتملة.
كما يحمل التصديق السامي دلالات مهمة، إذ إن توقيع جلالة الملك المعظم على القانون في يوم مخصص للاحتفاء بالمحامين يبعث برسالة مفادها أن تطوير المهنة ليس مطلبا نقابيا فحسب، بل جزء من رؤية وطنية أوسع لتعزيز دولة المؤسسات. هذا الدعم الرسمي يهيئ المناخ لمزيد من الحوارات المهنية البنّاءة بين الجهات التشريعية، وجمعية المحامين، والهيئات القضائية، ويشجع على تبني ممارسات مهنية تواكب أفضل المعايير الدولية مع الحفاظ على الخصوصية الوطنية.
مع ذلك، لا يخلو المشهد من تحديات تطبيقية، وتحويل النصوص التشريعية إلى واقع عملي يتطلب جهدا تنظيميا وتدريبيا، ووقتا لتكييف مكاتب المحاماة مع المتطلبات الجديدة، وحرصا على توفير برامج تأهيلية للمحامين الشباب لتمكينهم في ممارسة المهنة بكل احترافية. كما أن نجاح القانون يقاس بمدى فاعليته في حماية حقوق المتقاضين وضمان وصولهم إلى تمثيل قانوني كفء، وليس فقط بصرامة النصوص. لذلك تقع على عاتق جمعية المحامين والهيئات المهنية مسؤولية قيادة عملية التغيير عبر برامج تدريبية، وإرشادية، وآليات رقابية شفافة. 
في الختام، يمثل يوم المحامي البحريني هذا العام محطة مزدوجة: احتفاء بمهنة تحمل رسالة وطنية، وانطلاقة تشريعية نحو مهنة أكثر احترافية وانفتاحا على العالم. وإن الالتزام وتأكيد التعاون مع الجهات المعنية وجمعية المحامين لتنفيذ القانون بروح الشراكة والمسؤولية يضمن تحويل النصوص إلى واقع ملموس يخدم المواطن ويعزز ثقة المجتمع بمؤسساته ويسهم بفعالية في نشر العدالة. وبهذه الروح تتجدد العهود: محامون ملتزمون، وقضاء نزيه، وقيادة حريصة وماضية في ترسيخ دولة القانون.

 

*محامٍ ومحكم بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية