العدد 6456
الخميس 18 يونيو 2026
عبثية الإنسان ما بين المسرح الكوميدي والمسلخ الوجودي
الخميس 18 يونيو 2026

إن أغلب من يعيشون الحياة أموات، هم توابيت بشرية في خدمة قداس الأيديولوجيا، أو نعوش تقدم قرابين في مقبرة السياسة، أو محنطون في متحف ديكوري لحياة ظاهرها الحرير وباطنها موت بطيء.
والعمر البشري يستنزف في النجاة وليس في الحياة، فأغلب البشرية تعيش لتنجو من الموت لا لتستمتع بالحياة. ففي كل صباح تستيقظ البشرية لتتفاوض مع الموت أن يمنحها يوماً آخر للحياة. فما بين قسوة الحروب، وجنون الإنسان، وتضخم الخرافات، وانتشار المرضى النفسيين والحمقى والجشعين والمهووسين بالأيديولوجيات المختلفة تقل نسبة السعادة وتزداد التعاسة. لا الأيديولوجيات قدمت سعادة كبيرة للإنسان ولا النظريات، ما زال الإنسان يعاني ويحمل وجعه، كلها نظريات ناقصة تحتاج إلى تجديد لتسعد الإنسان.
وكما هو خوف عالم الاجتماع الكبير، ماكس فيبر حين قال: “لا يوجد أكثر برودة ورعباً من أن يتحول الإنسان إلى ترسٍ داخل آلة”. كان يرى أن الحداثة التي تباهى بها الغرب ليست انتصاراً كاملاً للعقل، بل بناء قفصٍ هائل غير مرئي، وقد سمّى هذا المصير: بـ”القفص الحديدي”.
كارل ماركس طرح حقيقة بشرية قائلاً: “المجتمع عبارة عن مذبحة مصالح مغطاة بالشعارات”. هذه حقيقة النفس البشرية والتغني بالشعارات مع ملائكية الأقنعة وشيطانية المصالح، والذين يضيعون هم “تروس” آلة الطحن البشرية.
ولو آمنا جدلاً بأن البشرية أصبحت في وفرة مالية كبرى ولا فقراء، يبقى سؤال وجودي، ونحن أمام تحدٍ أكبر وهو: هل يمكن توفير الاطمئنان الداخلي؟ وفي ظل الحداثة نحن في عالم الوفرة، فكل شيء متوفر... إلا الطمأنينة. والعالم بات يشعر بالسلاسل الناعمة حول العنق البشري.
ولذلك هناك سؤال وجودي عن العمر الذي تقضيه فقيراً أو غنياً: هل عشت حياتك؟ هل أنت صادق مع نفسك أم أنت تمارس دوراً تمثيلياً لأجل الآخرين على مسرح الحياة؟ فما أقسى أن تضيع أعظم فرصة في الحياة، وهي وجودك فيها، من أجل الآخرين.
نقدي للحضارة الغربية رغم جمالها العظيم، والتي أراها أجمل حضارة أنتجها الإنسان رغم ثغراتها، أنها تعاني من ثقب اسمه تضخم الفردية على حساب توزيع السعادة للجميع، وإن كان بنسب متفاوتة؛ فإني وجدت إيطاليا وإسبانيا واليونان والبرتغال أقل شراسة من سكين الرأسمالية وحدية قسوة الفردية من فرنسا وألمانيا، وأكثر حفاظاً على تراتبية قيم العائلة من بقية دول أوروبا.
ففي ضمن عبثية الوجود عبثية النفس البشرية، أنا لا أجد العالم أكثر استقراراً رغم الوفرة المالية، بل أكثر عبثية وجشعاً وعدم استقرار. وإن “الحياة الفاخرة” على الإنترنت لا تعكس رفاهية النفس، بل ساعدت على شيوع مرض “المقارنة” بين البشر، وعملت على تضخم كذبة أن نجوم الإنترنت هم أكثر البشر سعادة. وهذا يكثر من كذب الإنسان على نفسه، فكثيرون غير صادقين مع ذواتهم ومع العالم، كما يقول دوستويفسكي: “كنت أكذب طوال حياتي، حتى عندما كنت أقول الحقيقة”.
كل هذا الترف، كل هذا العرض الممسرح، كل هذا العرض الحريري على مسرح الحياة لن ينفعك وأنت لا تعيش سعادة داخلية. وما نعيشه جزء من عبثية الحياة كما في افتتاحية رواية “الغريب” لألبير كامو حين قال: “ماتت أمي اليوم، أو ربما أمس، لا أدري.”.. تصور المشهد!!! ماتت أمه اليوم أو أمس ولا يعلم. هل توجد عبثية أكبر من ذلك؟
هكذا يأكلنا الضجيج، ويبتلعنا حوت الجماعة، وسياق القطيع البشري العام، ولا نعلم إلى أين نقاد؛ إلى المسرح أم إلى المسلخ، إلى الدين أم إلى السكين، إلى البقاء أم إلى الفناء، إلى الانتصار أو الانكسار، إلى الحب أو إلى الحرب... هكذا هي العبثية، والناجون قلة ممن امتلكوا عبقرية عقلٍ وأسطورة قلبٍ مطمئنٍ وذكاء مسافةٍ مع البشر.
في المسرحية الرائعة للروائي الأيرلندي صموئيل بيكيت “في انتظار جودو”، يصور شخصين بقيا بجانب شجرة طويلاً في انتظار شخص اسمه جودو، وظلا في وهم مجيئه... انتظار وراء انتظار وجودو لم يأتِ. إنه باختصار وجع الإنسان في انتظار شيء لن يأتي؛ قصة الإنسان مع وهم الانتظار، من ينتظر حباً لن يأتي، أو منصباً في الخيال، أو مكانة عليا.. إلخ، وما بين الانتظارات تضيع الحياة.. هذه هي العبثية. فكم عدد الناس الذين يدفنون حياتهم في شيء اسمه غداً؟ كما عبر عنه تشيخوف بالإنسان المؤجَّل.
لكن ما يطمئن في ظل هذه العبثية هو أن تسعى في ظل الفوضى للتغيير، كما يقول نيتشه: “يجب أن تحمل بداخلك الفوضى لتلد نجماً راقصاً”، ولا بد من أن تصفع الوجود لتتمرد على كل هذه الفوضى، التمرد الذي يقود للطمأنينة الحقيقية.
إن من عبثية الحياة أن الفقير يعاني والغني يعاني والفرح هو الغائب، والاطمئنان الداخلي هو الماسة الزرقاء النادرة. فليس أكثر عبثية من إنسان يمتلك كل شيء ولا يملك شيئاً، لهذا على الإنسان أن يبحث عن معنى عظيم في حياته يعيش لأجله، وأن يحارب لأجل سعادته الداخلية ولو بقي وحيداً.
فعالم الاجتماع العظيم، إميل دوركايم، كان يخشى انهيار المجتمع داخلياً وخصوصاً إذا توفر كل شيء إلا راحة النفس، فلا توجد عبثية أكبر من غني مالٍ وفقير سعادةٍ داخلية.
إن أجمل الروايات التي ركزت على فراغ الأغنياء هي رواية مطولة اسمها “البحث عن الزمن المفقود” للكاتب الفرنسي مارسيل بروست، لذلك تجد شخصياته الغنية تعيش فراغاً داخلياً هائلاً. كل شيء متوفر... إلا الطمأنينة. كان يرى أن الإنسان قد يملك الصالونات الفاخرة والعطور والفلل... ثم ينهار من نظرة باردة ممن يحب. 
 

*مستشار هيئة البحرين للثقافة والآثار

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .