العدد 6454
الثلاثاء 16 يونيو 2026
"نون والقلم وما يسطرون"
الثلاثاء 16 يونيو 2026

إن البيان الإلهي لهو الشاهد الأسمى على أهمية الأدوات المستخدمة في تحصيل المعرفة. ففي استهلال سورة القلم، يقسم الله جل جلاله قسماً عظيماً قائلاً: ( ن والقلم وما يسطرون)، ومما يستدعي الوقوف عنده أنه سبحانه قد رفع من شأن هذه الأداة الصغيرة في جرمها، العظيمة في أثرها ومآلاتها. ولم يكن هذا القسم ترفيعاً مؤقتاً للمكانة، بل هو في حقيقته إعجاز رباني يبرز قيمة هذه الأداة التي كُشف عنها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. وفوق ذلك، فإن القلم يحظى بمكانة رفيعة في العقيدة الإسلامية باعتباره واحداً من المخلوقات الشريفة التي خلقها الله بيده، وأمرها أن تخط مقادير الوجود كله، وبذلك تتصل قيمته الغيبية اتصالاً وثيقاً بدوره في حفظ الوعي الإنساني ونقل العلوم والحكمة الموحى بها.

بيد أن العصر المعاصر يمر بتغيرات جذرية أدت إلى ظهور فجوة جديدة في تفكير الشباب وسلوكهم، إذ تخلى هؤلاء عن الكتابة اليدوية واستبدلوا بها الطباعة عبر الشاشات الباردة للهواتف الذكية أو لوحات مفاتيح الحاسوب. ورغم ما توفره هذه التقنيات من سرعة فائقة ووفرة في المعلومات، فإن دراسات علمية عديدة تشير إلى أن التخلي عن الكتابة باليد يؤدي إلى خمول تدريجي في مناطق واسعة من الدماغ كانت تستجيب لها سابقاً. 

وبما أن الكتابة اليدوية تتطلب أداء حركات عضلية معقدة لتشكيل الحروف، فإنها تسهم في بناء روابط عصبية قوية في الدماغ، مما يؤدي بدوره إلى تعزيز الفهم والقدرة على تحليل المعلومات المتلقاة.

بناءً على ذلك، يتضح أن التمسك بالقلم ليس تراجعاً عن التطور الحضاري او نكوصاً أو ما شابه ، بل هو وسيلة لاستعادة التوازن العقلي لدى الشباب. ومن ثم، يصبح من التوجيه السديد تقديم نصيحة للشباب بتخصيص وقت معين كل يوم لإحياء علاقتهم بالكتابة بالقلم على الورق، سواء كان ذلك لتلخيص المعلومات التي تعلموها، أو تدوين الخواطر الشخصية، أو وضع خطط عمل لحياتهم. وعلاوة على ذلك، يظل من الجوهري أن الكتابة باليد تترك بصمة فريدة تعبر عن ذات الشخص الذي يخطها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .