قبل أيام من انطلاق كأس العالم، دار حديث بيني وبين صديقي طارق عن المنتخبات التي تستحق المتابعة في مونديال أميركا. وكما يحدث في كل بطولة كبرى، انحصرت الأسماء بين البرازيل والأرجنتين وألمانيا وفرنسا، قبل أن يتوقف طارق عند اسم مختلف:
"اليابان".
يومها لم أتعامل مع الأمر باعتباره مفاجأة، لأن أخطر المنتخبات ليست دائماً تلك التي تتصدر العناوين، بل تلك التي تتحسن بصمت حتى يكتشف الجميع متأخرين أنها أصبحت قادرة على مقارعة الكبار.
وبعد مواجهة هولندا، عاد ذلك الحديث إلى ذهني من جديد.
ليس لأن اليابان فازت، بل لأنها رفضت أن تخسر.
تقدمت هولندا أولاً، فعادت اليابان إلى المباراة. ثم عادت الطواحين للتقدم مجدداً، فبدا أنها وضعت يدها على نقاط المباراة الثلاث، غير أن الساموراي كان يحتفظ برد مختلف، إذ نجح في الدقيقة 88 في انتزاع هدف التعادل القاتل.
صحيح أن رائحة اللون البرتقالي كانت تفوح في الملعب، لكننا لم نتذوق طعمه سوى لدقائق معدودة، ولا غرابة في ذلك، فقد تعودنا على هذه الحكاية منذ زمن بعيد؛ هولندا تفعل كل شيء في كرة القدم، لكنها كثيراً ما تعجز عن وضع النقطة الأخيرة في نهاية السطر.
ولعل أكثر ما أعجبني في اليابان أنها بدت وكأنها تملك "الكلمة الأخيرة" دائماً.
فهي لم تعد تبحث عن مفاجأة عابرة أو نتيجة تاريخية ترويها للأجيال القادمة، بل عن مكان دائم بين مدارس كرة القدم الكبرى، ولهذا لم يكن التعادل مع هولندا هو الخبر الأهم، بل الطريقة التي تحقق بها هذا التعادل.
وجاءت المباراة لتذكرنا بحقيقة كثيراً ما تغيب عنا وسط ضجيج الأهداف والنتائج، وهي أن القوة الحقيقية للمنتخبات لا تظهر دائماً في لحظة التقدم، بقدر ما تظهر في الطريقة التي تتعامل بها مع التأخر.
لقد نجحت هولندا مرتين في فرض السيناريو الذي أرادته، لكنها عجزت في المرتين عن حمايته حتى النهاية. وعلى الجانب الآخر، وجدت اليابان نفسها أمام الاختبار ذاته، فكانت تملك في كل مرة الشجاعة الكافية لإعادة الأمور إلى نقطة البداية.
وبينما كنت أراجع أحداث اللقاء، تذكرت حديثي مع طارق. يومها ظننت أننا نتحدث عن منتخب قادر على إزعاج الكبار، لكن ما رأيته أمام هولندا جعلني أعتقد أننا كنا نتحدث عن منتخب يريد أن يصبح واحداً منهم.
ولعل اليابانيين أنفسهم اختصروا هذه الفكرة منذ زمن بعيد حين قالوا:
"اسقط سبع مرات... وانهض ثمانيًا."
لنتابع ونرى ماذا سيحدث؟!