تلقيت دعوة للمشاركة في إحدى الجلسات الحوارية الهادفة المخصصة لرسم الخطة التطويرية لجامعة البحرين للتكنولوجيا، وهي مناسبة أود من خلالها أن أتقدم بالشكر للقائمين عليها لما لمسته من حرص حقيقي على الاستماع إلى الآراء المختلفة لتأهيل مخرجات التعليم العالي لسوق العمل. وقد استقطبت الجلسة كوكبة من الخبراء والاستشاريين والممارسين من قطاعات متعددة، للمساهمة في صياغة رؤية مستقبلية أكثر ارتباطا باحتياجات السوق. وبينما كنت أستمع إلى النقاشات والأفكار المطروحة، وجدت نفسي أفكر في جانب مهم لم يحظَ بالنقاش الكافي، على رغم ارتباطه المباشر بالتوظيف والتنمية الاقتصادية، وهو واقع الكوادر البحرينية في القطاع العقاري ومدى جهوزيتها لقيادة المرحلة القادمة.
فعندما يُذكر القطاع العقاري يتبادر إلى أذهان الكثيرين أنه يقتصر على بيع وشراء العقارات أو ممارسة الوساطة العقارية، بينما الواقع مختلف تماما، فالعقار اليوم أصبح صناعة متكاملة تضم عشرات التخصصات والمهن، بدءا من التطوير والتقييم العقاري وإدارة الأملاك واتحادات الملاك، ومرورا بالتسويق والتمويل والاستشارات القانونية والهندسية، ووصولا إلى إدارة وتشغيل المرافق والأصول العقارية.
ومن خلال عملي في هذا المجال، أرى أن السوق ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على استيعاب مزيد من الكفاءات الوطنية، حيث يُعد القطاع العقاري من ركائز الرؤية الاقتصادية 2030 وأبرز المساهمين غير النفطيين في الناتج المحلي الإجمالي. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الوظائف من عدمها، بل في مدى جهوزية الكوادر للدخول إلى هذه التخصصات النوعية واستمرارها فيها.
وفي اعتقادي، جزء من هذه الفجوة يعود إلى محدودية المسارات الأكاديمية المتخصصة مقارنة بحجم القطاع وتشعباته، فالكثير من العاملين في العقار اكتسبوا خبراتهم من الممارسة الميدانية أكثر من الدراسة الأكاديمية، وهو أمر لا يقلل من قيمة الخبرة، لكنه يطرح تساؤلا مهما عن مدى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق الحالية والمستقبلية، وغياب “العلوم العقارية” كمساق مستقل في جامعاتنا.
كما أن الحديث عن “البحرنة” لا يجب أن يقتصر على رفع النسب والأرقام فقط، بل يجب أن يمتد إلى بناء مسار مهني واضح ومستدام للشباب البحريني داخل القطاع، فالتوظيف وحده لا يكفي إذا لم يكن مصحوبا بالتدريب والتأهيل وفرص التطور الوظيفي.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التعاون بين الجامعات والمعاهد والمؤسسات التدريبية من جهة، والقطاع العقاري من جهة أخرى، وهو الدور المحوري الذي نأمل الوصول إليه عبر “جمعية البحرين العقارية” في المرحلة المقبلة، لتكون المظلة والوسيط المهني الذي يربط بين المخرجات الأكاديمية والاحتياجات الفعلية للشركات، لضمان إعداد كوادر تمتلك المعرفة النظرية والخبرة العملية في آن واحد، فالسوق لا تحتاج فقط إلى موظفين، ولكن إلى محترفين قادرين على الإدارة والقيادة.
وفي ظل التوجه نحو الرقمنة والتحول التقني، أعتقد بأن الفرصة ما زالت قائمة أمامنا لإعادة رسم العلاقة وتحويل القطاع إلى أحد الروافد الحقيقية لتوظيف الكفاءات الوطنية، فالعقار ليس مجرد مبانٍ وأراضٍ، بل منظومة اقتصادية متكاملة، والاستثمار الحقيقي فيها يبدأ دائما من الاستثمار في الإنسان البحريني نفسه.
*خبير عقاري بحريني