العدد 6454
الثلاثاء 16 يونيو 2026
عام هجري جديد.. وأمل جديد للعالم
الثلاثاء 16 يونيو 2026

في الوقت الذي نستقبل فيه عامًا هجريًا جديدًا، تتجه أنظار العالم نحو تطور سياسي بالغ الأهمية يتمثل في الاتفاق بين أميركا وإيران، وهو اتفاق طال انتظاره بعد سنوات طويلة من التوتر والتجاذبات السياسية والتصعيد الذي ألقى بظلاله الثقيلة على منطقة الخليج والعالم بأسره.
إن أهمية هذا الاتفاق لا تكمن فقط في تفاصيله الفنية أو السياسية، وإنما في الرسائل التي يحملها إلى المجتمع الدولي، فهو يؤكد أن الحوار، مهما طال تعثره، يظل أكثر جدوى من الصراع، وأن الدبلوماسية قادرة على تحقيق ما تعجز عنه سياسات الضغط والمواجهة.
لقد دفعت المنطقة ثمنًا باهظًا لحالة عدم اليقين التي صاحبت العلاقات الأميركية الإيرانية على مدى عقود، فالتوترات المتكررة كانت تنعكس مباشرة على أمن الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، وحركة الاستثمارات، وخطط التنمية الاقتصادية، فضلًا عن تنامي المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهات عسكرية لا رابح فيها.
غير أن الترحيب بأي خطوة تقود إلى التهدئة والاستقرار لا يعني طيّ صفحات الماضي أو التغاضي عن حجم المعاناة التي عاشتها المنطقة نتيجة الاعتداءات والتوترات التي شهدتها السنوات الماضية، فقد دفعت دول الخليج ثمنًا باهظًا من أمنها واقتصادها واستقرارها، بعدما تعرضت منشآت حيوية وخاصة وعامة لأعمال عدائية تركت آثارًا مباشرة في حركة التجارة والاستثمار، وأثارت القلق في أسواق الطاقة، وأربكت خطط التنمية، فضلًا عن الخسائر الإنسانية المؤلمة التي طالت أرواحًا بريئة وألقت بظلالها على آلاف الأسر.
لقد أثرت تلك الأحداث بصورة ملموسة في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين، وأوجدت حالة من عدم اليقين انعكست على ثقة المستثمرين وتدفقات رؤوس الأموال وكلفة التأمين والنقل، وأجبرت الدول على تخصيص موارد إضافية لتعزيز أمنها وحماية مكتسباتها التنموية، وهي وقائع لن تمحى بسهولة من الذاكرة الخليجية، بل ستظل شاهدًا تاريخيًا تتناقله الأجيال باعتباره درسًا قاسيًا عن الكلفة الباهظة للصراعات وسياسات التصعيد، وحقيقة أن الأمن والاستقرار ليسا ترفًا سياسيًا، بل شرط أساسي لازدهار الشعوب وكرامة الإنسان.
ومن هنا، فإن أي اتفاق يسهم في خفض مستوى التوتر يمثل مكسبًا حقيقيًا ليس لدول الخليج فحسب، بل للاقتصاد العالمي بأسره، فالاستقرار السياسي يعد أحد أهم مقومات النمو الاقتصادي، وهو ما تحتاج إليه الأسواق الدولية في ظل ما يشهده العالم من تحديات متلاحقة، بدءًا من تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى، ومرورًا باضطرابات سلاسل الإمداد، وانتهاءً بالتقلبات التي شهدتها أسواق الطاقة خلال السنوات الأخيرة.
ومع إشراقة العام الهجري الجديد، يبقى الأمل قائمًا بأن يكون هذا الاتفاق بداية لعهد تتراجع فيه أصوات المدافع، وترتفع فيه أصوات العقل والحكمة، ليصبح السلام خيارًا استراتيجيًا ثابتًا، لا هدنة مؤقتة تفرضها الظروف، فالسلام الحقيقي ليس مجرد غياب للحرب، بل حضور للعدالة والاحترام المتبادل والالتزام الصادق بعدم تكرار أخطاء الماضي، حتى تنعم شعوب المنطقة والعالم بالأمن والاستقرار اللذين تستحقهما.
ربي يحفظ قيادتنا الرشيدة ووطننا الغالي وشعبنا العزيز من كل سوء ومكروه، ويديم علينا نعمة الأمن والأمان والسلام.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية