بدء تنفيذ أول مشروعات التطوير على أرض الواقع
تحقيق | قطار تطوير سوق المنامة ينطلق.. والتجار متفائلون
-
تحسن الحركة التجارية وعودة الزوار
-
تعزيز التواصل مع الجهات الحكومية عبر “غرفة التجارة”
-
منطقة للمقاهي والمطاعم في موقع الحريق
-
انتقال ملف التطوير من دائرة الوعود إلى التنفيذ الفعلي
-
طرادة: تطوير السوق رؤية تشارك فيها جميع الجهات
-
السلوم: 90 % من العقبات جرى تجاوزها
-
النامليتي: الـسـوق تستعيد حركتها
-
المحروس: التجار عادوا إلى طاولة الحوار عبر “غرفة التجارة”
كان منهمكا في عمله داخل أحد المحالّ القديمة في سوق المنامة، يواصل طرق النحاس دون أن يلتفت لما يدور حوله، وعندما رفع رأسه بعد لحظات ولاحظ وجودنا بادر بابتسامة قائلا: يبدو أنكم صحافيون وإعلاميون، تفضلوا.
كان سؤالنا الأول مباشرا: هل بدأ تطوير سوق المنامة فعلا؟ توقف قليلا ثم هز رأسه بالإيجاب وقال: نعم، هذه المرة نشاهد العمل على أرض الواقع وليس مجرد تصريحات.
لم تكن هذه الإجابة وحدها كافية للحكم على ما يجري في أقدم أسواق البحرين لكنها كانت نقطة البداية، فمن هنا بدأت “البلاد” جولتها داخل السوق محاولة الإجابة عن سؤال ظل يتردد سنوات: هل انتقل ملف تطوير سوق المنامة أخيرا من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ؟
وفي الجولة ولقاءات مع التجار والمسؤولين ومراجعة المشروعات التي انطلقت بالفعل اتضحت ملامح مرحلة مختلفة عنوانها بدء تنفيذ أول مشروعات التطوير، وتوحيد جهود الجهات الحكومية في محاولة لإعادة إحياء القلب التجاري التاريخي للعاصمة.
عودة الحركة
تُظهر البيانات الاقتصادية أن سوق المنامة تستفيد اليوم من الزخم الذي يشهده القطاع السياحي في البحرين، فقد استقبلت المملكة في العام 2025 أكثر من 16 مليون زائر فيما تجاوزت إيرادات السياحة ملياري دينار بحريني للمرة الأولى، إلى جانب ارتفاع عدد الليالي السياحية ومتوسط إنفاق الزائر، وهي مؤشرات انعكست مباشرة على الأنشطة المرتبطة بالسياحة والتجزئة والخدمات.
وفي جولتنا في السوق بدا واضحا أن هذه الأرقام لم تعد حبيسة التقارير الرسمية، بل أصبحت تنعكس على الحركة اليومية داخل أحد أهم المقاصد التراثية والتجارية في العاصمة. وأكد محمود النامليتي، أحد أبرز تجار سوق المنامة، أن السوق تشهد في الفترة الحالية عودة واضحة للحركة التجارية، موضحا أن النشاط عاد إلى مستوياته الطبيعية بل تجاوزها في بعض الفترات، مدفوعا بزيادة أعداد الزوار وانتعاش المطاعم والمحالّ التجارية.
ويرى أن خصوصية سوق المنامة تكمن في قدرتها على الجمع بين الوظيفة التجارية والبعد التراثي، إذ تضم محالّ متخصصة في الأقمشة والعطور والمنتجات التقليدية إلى جانب المطاعم الشعبية، وهو ما يجعلها وجهة يقصدها الزائر الباحث عن تجربة مختلفة وليس مجرد مكان للتسوق.
كما لاحظنا في الجولة استمرار الحضور القوي للزوار القادمين من المملكة العربية السعودية إلى جانب زوار من بقية دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يعزز القوة الشرائية داخل السوق ويؤكد ارتباط انتعاشها بالأداء الإيجابي الذي يشهده القطاع السياحي في البحرين.
وتقود هذه المعطيات إلى نتيجة أولية مفادها أن السوق تستفيد اليوم من عاملين متوازيين أولهما النمو الذي يحققه القطاع السياحي، وثانيهما بدء تنفيذ مشروعات التطوير، وهو ما يخلق بيئة مواتية لعودة النشاط التجاري بصورة أكثر استدامة.
شهادة التجار
ولا تقتصر مؤشرات التغيير على الأرقام بل تمتد إلى شهادات التجار الذين تابعوا مسار السوق على مدى سنوات.
وأكد أحد أقدم تجار سوق المنامة رياض المحروس، أن أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال ملف التطوير من دائرة الوعود إلى التنفيذ الفعلي.
وأشار إلى أن بدء العمل في تطوير مجمع باب البحرين والسوق المسقوفة إلى جانب اعتماد الواجهات التراثية للمحال التجارية، يعكسان وجود تحرك ملموس لم يكن قائما بهذه الوتيرة في السابق. وأضاف أن فعالية “هوى المنامة” قدمت نموذجا عمليا لقدرة الفعاليات على تحريك الأسواق التاريخية، إذ انعكس تنظيمها مباشرة على زيادة أعداد الزوار وارتفاع المبيعات، بما يؤكد أن الفعاليات أصبحت رافدا اقتصاديا يدعم الحركة التجارية وليست مجرد أنشطة موسمية. وعبر حديثنا مع المحروس برز متغير آخر يراه من أهم ما شهدته المرحلة الأخيرة، يتمثل في تحسن قنوات التواصل بين التجار والجهات الحكومية، فبعد سنوات كانت فيها مطالب التجار تصل بمحدودية أصبحت غرفة تجارة وصناعة البحرين تضطلع بدور أكبر في نقل مرئياتهم وعقد اجتماعات مع الجهات الرسمية، وهو ما عزز ثقة أصحاب الأعمال بإمكان تسريع وتيرة تنفيذ المشروعات.
ويرى المحروس أن توحيد جهود الجهات الحكومية ضمن لجنة واحدة لتطوير مدينة المنامة التاريخية منح التجار قدرا أكبر من الاطمئنان بأن العمل يسير اليوم وفق رؤية أكثر تكاملا؛ الأمر الذي يرفع فرص استعادة السوق لمكانتها الاقتصادية والتاريخية.
المشروعات تبدأ
وفي مراجعة مسار المشروعات المعلنة تبيّن أن التحول الأبرز لا يتمثل في إعلان خطط جديدة بل في بدء تنفيذ أولى مراحل خطة إعادة إحياء المنطقة التاريخية.
ويأتي في مقدمة هذه المشروعات تطوير منطقتي “المسقف” و “مجمع باب البحرين” اللتين تمثلان المرحلة الأولى من الخطة الشاملة لإحياء المنطقة التاريخية، بكلفة تبلغ نحو 680 ألف دينار بحريني، على أن تستكمل هذه المرحلة في الربع الرابع من العام 2026.
ووفق الخطة المعتمدة تشمل هذه المرحلة أعمال ترميم المباني التراثية وتحسين البنية التحتية وتطوير الطرق والممرات الداخلية ورفع كفاءة الخدمات العامة، إلى جانب استكمال مشروع تطوير واجهات المحالّ التجارية وإعداد دليل استرشادي للتعمير في المناطق التراثية بما يحافظ على الهوية العمرانية للمنطقة.
ويأتي تنفيذ هذه المرحلة ضمن المشروع الذي تتولى وزارة الإسكان والتخطيط العمراني الإشراف عليه بعد إسناد ملف تطوير المنطقة التاريخية إليها بهدف توحيد جهود مختلف الجهات الحكومية ضمن خطة متكاملة لإعادة إحياء سوق المنامة.
وكشف رئيس مجلس أمانة العاصمة صالح طرادة عن أن أعمال التطوير لا تقتصر على تنفيذ المشروعات الإنشائية، بل تشمل أيضا تنسيقا مستمرا بين مختلف الجهات الحكومية عبر المشاركة في لجان مشتركة وتنظيم زيارات ميدانية، وعقد اجتماعات مع التجار، والاستعانة بمكاتب هندسية وكلية العمارة في جامعة البحرين لإعداد تصورات تطويرية، إلى جانب الاستفادة من مرئيات غرفة تجارة وصناعة البحرين بهدف توحيد المبادرات ضمن رؤية متكاملة. ويرى طرادة أن التحسن الذي تشهده الحركة التجارية يعكس استمرار مكانة سوق المنامة ضمن أهم المراكز التجارية والتراثية في المملكة، مشيرا إلى أن مشروعات التطوير الحالية تستهدف تعزيز هذا الزخم عبر تحسين المرافق العامة والارتقاء بالمشهد الحضري وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للتجار والزوار.
تجاوز العقبات
وفي تتبع “البلاد” لمسار مشروع تطوير سوق المنامة تبين أن أحد أبرز أسباب تعثر المبادرات السابقة لم يكن غياب الأفكار وإنما تعقيد تنفيذها على أرض الواقع، فالمنطقة التاريخية تضم ملكيات متعددة ومباني متلاصقة وتخضع لاختصاصات جهات حكومية مختلفة، وهي عوامل جعلت الوصول إلى حلول توافقية يستغرق سنوات.
إلا أن الصورة بدأت تتغير، وأكد النائب أحمد السلوم أن أكثر من 90 % من العقبات التي واجهت مشروع التطوير قد جرى تجاوزها، ما يمهد للانتقال إلى مرحلة تنفيذ البرامج والمشروعات وفق رؤية أكثر تكاملا.
ويرى السلوم أن التجارب السابقة أظهرت أن تطوير أجزاء محددة من السوق مقابل تأخر تطوير أجزاء أخرى أدى إلى تفاوت واضح في مستوى النشاط التجاري، لذلك فإن نجاح المرحلة الحالية يرتبط بتنفيذ خطة شاملة تشمل جميع أجزاء السوق بترابط، إلى جانب تطوير المرافق والخدمات وتعزيز اشتراطات الأمن والسلامة بما يحافظ على الأرواح والممتلكات ويعيد الثقة للتجار والمستثمرين.
وعبر متابعتنا لهذا الملف اتّضح أن الفرق بين المرحلة الحالية وما سبقها لا يكمن في حجم المشروعات فحسب بل في طريقة إدارتها، إذ باتت مختلف المبادرات تندرج ضمن رؤية واحدة بعد أن كانت تنفذ بتفرق، وهو ما يمنح مشروع التطوير فرصة أكبر لتحقيق أثر طويل المدى.
أبعد من الترميم
لكن التجول في سوق المنامة يقود إلى استنتاج آخر، فنجاح المشروع لن يتوقف على ترميم المباني أو تحسين الطرق فقط لأن طبيعة المنافسة تغيرت في السنوات الأخيرة.

فالأسواق التاريخية لم تعد تنافس أسواقا مشابهة لها، بل أصبحت في مواجهة مباشرة مع المجمعات التجارية الحديثة ومنصات التجارة الإلكترونية وأنماط استهلاك جديدة جعلت الزائر يبحث عن تجربة متكاملة تجمع بين التسوق والطعام والتراث والفعاليات والخدمات في مكان واحد.
وفي جولتنا الميدانية داخل السوق لفت انتباهنا أن بعض المحال الواقعة في مواقع يفترض أن تكون من أكثر أجزاء السوق حيوية لا تزال مغلقة أو شبه مهجورة، بما يعكس تفاوتا في مستوى النشاط التجاري بين أجزاء السوق.
ووفقًا للمشاهدات والمعاينة فإنه من اللافت أن ثمة خللا في تركيبة توزيع المحال التجارية بحيث تكون على شكل مناطق مخصصة لنشاط معين في السوق، دون وجود توزيع مكاني يمنح كل نشاط هوية واضحة أو يسهل على الزائر الوصول إلى احتياجاته، فعلى سبيل المثال رصدنا محالّ لبيع البهارات تقع بمحاذاة محالّ متخصصة في بيع الأقمشة في مشهد يعكس الحاجة إلى إعادة تنظيم توزيع الأنشطة التجارية، بما ينسجم مع أفضل الممارسات المتبعة في الأسواق التراثية.
وفي الجولة نفسها استوقفنا أحد السياح وهو يستفسر عن موقع أقرب دورة مياه عامة قبل أن يرشده أحد الأشخاص إلى أحد المحالّ التجارية، وهو ما يكشف عن أن بعض الخدمات الأساسية ما زالت بحاجة إلى استكمال وفي مقدمتها دورات المياه العامة ومناطق الجلوس والاستراحة، بما يتناسب مع مكانة السوق كوجهة سياحية وتراثية.
كما أظهر استطلاع أجرته “البلاد” لآراء عدد من التجار أن مطالبهم تكاد تكون متطابقة، إذ أجمعوا على أن السوق لا تحتاج في المرحلة المقبلة إلى مزيد من المحالّ التجارية بقدر حاجتها إلى عناصر تعزز تجربة الزائر، وفي مقدمتها منطقة متكاملة للمقاهي والمطاعم إلى جانب الخدمات الأساسية.
ويرى التجار أن الموقع الذي تعرض للحريق يمثل الخيار الأنسب لتنفيذ هذا المشروع؛ نظرا لموقعه الحيوي في قلب السوق، مؤكدين أن إعادة توظيفه ليصبح منطقة للمقاهي والمطاعم والفعاليات من شأنها أن تزيد مدة بقاء الزوار داخل السوق وترفع معدلات الإنفاق وتنشط الحركة التجارية في المحال المحيطة.

وتُشير التجارب الإقليمية إلى أن الأسواق التاريخية التي نجحت في استعادة مكانتها لم تعتمد على مشروعات الترميم وحدها بل على بناء تجربة متكاملة للزائر، فقد نجحت سوق واقف في الدوحة بالجمع بين الحفاظ على الهوية التراثية وتنظيم الفعاليات ودعم المطاعم والمقاهي، كما حافظت سوق المباركية في الكويت على مكانتها عبر تطوير المرافق دون المساس بطابعها التاريخي، بينما ركزت سوق مطرح في سلطنة عُمان على استثمار موقعها وربطه بالحركة السياحية.
ولعل تجربة فعالية “هوى المنامة” تقدم نموذجا بحرينيا على ذلك، إذ أسهمت في زيادة أعداد الزوار وتنشيط الحركة التجارية، وأثبتت أن الأسواق التاريخية تستطيع استعادة حيويتها متى ما اقترن التطوير العمراني ببرامج اقتصادية وسياحية مستدامة.
وعبر ما رصدناه ميدانيا وما استعرضناه من مشروعات وآراء وتجارب يتبين أن سوق المنامة تقف اليوم أمام فرصة مختلفة عن كل ما سبقها، فالمشروعات بدأت فعليّا والجهات الحكومية تعمل ضمن إطار أكثر تنسيقا والتجار يلمسون تغيرا في آلية العمل والتواصل، وهو ما يعزز فرضية أن ملف التطوير انتقل بالفعل من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ، غير أن نجاح هذه المرحلة لن يقاس بعدد المباني التي يجري ترميمها أو حجم الإنفاق على المشروعات، وإنما بقدرتها على تحقيق أثر اقتصادي مستدام يتمثل في زيادة أعداد الزوار ورفع معدلات إشغال المحال التجارية واستقطاب الاستثمارات وتحويل المنطقة التاريخية إلى وجهة تنبض بالحياة طوال العام.
ويبقى التحدي الحقيقي في استكمال هذه الرؤية بحيث لا يقتصر التطوير على إعادة تأهيل المكان، بل يمتد إلى إعادة بناء تجربة الزائر وتعزيز الشراكة مع التجار وتوفير الخدمات والأنشطة التي تجعل سوق المنامة وجهة اقتصادية وسياحية وثقافية متكاملة تستعيد مكانتها التاريخية وتواكب في الوقت نفسه متطلبات المستقبل.
