العدد 6494
الأحد 26 يوليو 2026
رؤية مغايرة فاتن حمزة
فاتن حمزة
ما بعد التصعيد... هل دخلت المنطقة عصر الردع الجديد؟
الأحد 26 يوليو 2026

اعتاد العالم، لعقود طويلة، أن يقيس موازين القوى بعدد الطائرات، وحجم الجيوش، ومدى الصواريخ. إلا أن الأحداث الأخيرة في المنطقة كشفت أن مفهوم القوة نفسه قد تغير، وأن معادلات الردع لم تعد تُبنى على السلاح وحده، بل على منظومة متكاملة من الجاهزية، والتكامل، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على منع التهديد قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة.
لقد دخل الخليج، كما يبدو، مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ “عصر الردع الذكي”، حيث لم تعد القوة تُقاس بما يُستخدم في ساحات القتال فحسب، بل بما يمنع اندلاع القتال أساسًا. فالنجاح الحقيقي لم يعد في خوض الحرب، إنما في تقليص فرص وقوعها، واحتواء آثارها، والحفاظ على استقرار الدول والمجتمعات.
التطورات الأخيرة أظهرت أن البيئة الأمنية في المنطقة أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. فالتهديدات لم تعد تقتصر على الهجمات التقليدية، بل امتدت إلى الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والحملات الإعلامية، ومحاولات التأثير النفسي على المجتمعات. وهذا الواقع فرض انتقالًا طبيعيًا من مفهوم الدفاع المنفرد إلى مفهوم الأمن الجماعي القائم على التكامل وتبادل المعلومات والجاهزية المستمرة.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية منظومة العمل الدفاعي الخليجي المشترك، ليس بوصفها إطارًا سياسيًا فحسب، بل باعتبارها أحد أهم عناصر الاستقرار الإقليمي. فالتنسيق بين دول مجلس التعاون، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وتعزيز التكامل في القدرات الدفاعية، يمثل استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد في أمن المنطقة، ويعكس إدراكًا بأن التحديات الحديثة لا يمكن التعامل معها بمنطق الدولة المنفردة.
إن الرسالة الأهم التي حملتها المرحلة الأخيرة ليست أن المنطقة تتجه إلى الحرب، بل أن جميع الأطراف تدرك حجم كلفتها. ولهذا أصبح الردع، أكثر من أي وقت مضى، أداة لمنع التصعيد وليس لتوسيعه. فامتلاك القدرة الدفاعية الموثوقة لا يعني السعي إلى المواجهة، إنما يعزز فرص الحفاظ على السلام عندما يقترن بالحكمة والانضباط وحسن إدارة الأزمات.
كما أن ما جرى أكد أن الأمن لم يعد ملفًا عسكريًا صرفًا، بل أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا، تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والتقنية والإعلام. فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصادًا متماسكًا، وتحالفات راسخة، ومجتمعًا واعيًا، تكون أكثر قدرة على امتصاص الأزمات والتعامل مع المتغيرات، حتى في أكثر البيئات اضطرابًا.
ومن هذا المنطلق، فإن البحرين، بما تملكه من مؤسسات وطنية، وشراكات استراتيجية، وانخراط فاعل في منظومة الأمن الخليجي، تؤكد أن الأمن لا يُبنى بردود الأفعال، بل بالتخطيط والاستعداد والاستثمار المستمر في القدرات الوطنية والعمل الخليجي المشترك. فالاستقرار الذي تنعم به الدول ليس نتيجة ظرف عابر، إنما ثمرة رؤية بعيدة المدى تؤمن بأن الوقاية دائمًا أقل كلفة من المواجهة.
إن المنطقة تقف اليوم عند مفترق مهم؛ فإما أن تُترجم معادلات الردع الجديدة إلى مزيد من الاستقرار، أو أن تتحول إلى سباق مفتوح يستنزف الجميع. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على من يمتلك السلاح الأكثر تطورًا، بل على من يمتلك الإرادة السياسية التي تجعل من هذا السلاح ضمانةً للسلام لا وسيلةً لإشعال الحروب.
لقد تغيرت قواعد اللعبة، ولم تعد القوة في القرن الحادي والعشرين تُقاس بما يُطلق من صواريخ، بل بما يُمنع من صواريخ، ولا بعدد المعارك التي تُخاض، بل بعدد الأزمات التي تُحتوى قبل أن تتحول إلى حروب. وتلك، في تقديري، هي معادلة الردع الجديدة التي بدأت المنطقة تكتب فصولها. 

*كاتبة بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية