يضعنا الكاتب والمفكر الدكتور تركي فيصل الرشيد أمام مكاشفة استراتيجية بالغة الأهمية تفكك التبعية الفكرية المعاصرة للنموذج القيادي الواحد، حيث يشدد على دور الخصوصيات المحلية والإرث في تحديد الطابع الفريد للإدارة العامة في شبه الجزيرة العربية.
وتتعلق الحجة الجوهرية في منظوره الفكري بالأزمة التي تمر بها العديد من الدول، والمتمثلة في محاكاة نماذج الحوكمة الغربية دون مراعاة الروح التأسيسية للمجتمعات المعنية وخلفياتها القبلية والدينية الفريدة التي تشكل أساس استقرارها وشرعيتها.
إن انتقاد النهج السائد لا يستند إلى الجانب التاريخي فحسب، بل أيضاً إلى الواقعية السياسية والإدارية التي أثبتت كفاءتها. وينبع الاتفاق مع الدكتور تركي فيصل الرشيد من الاستنتاج المنطقي لمفهوم الدولة في شبه الجزيرة العربية، حيث لا تُعد الإدارة مجرد آلة تكنوقراطية صماء، بل هي عقد اجتماعي ديناميكي يتشابك فيه المكونان الاقتصادي والثقافي، وتُتخذ فيه القرارات الاستراتيجية بعد النظر في موازين القوى على الصعيدين المحلي والدولي. ويشير المفكر الرشيد إلى التطور التاريخي للقيادة في شبه الجزيرة من الدولة السعودية الأولى إلى الوضع الراهن في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ما يوفر أساساً برهانياً متكاملاً. وفي هذا السياق، يُظهر تطور القيادة انتقالها من الحفاظ على الاستقرار الداخلي إلى امتلاك استشراف جيوسياسي وإعادة نظر في التحالفات الدولية من أجل حماية المصالح الوطنية عبر براغماتية استراتيجية تتنزه عن الصراعات الهامشية.
وهكذا، يمكن ملاحظة أن السمة الأصيلة للقيادة الخليجية تكمن في قدرتها على تمثيل تطلعات شعوبها وأجوائها الثقافية من خلال الجمع المتوازن بين الأصالة والمعاصرة.
وفيما يتعلق بمناقشة العولمة وتحدياتها في مقال الدكتور الرشيد تحت عنوان “الثقافة المحلية ركيزة أساسية للقيادة الفعالة في الخليج”، يتضح أن التركيز الأساسي للحجة ينصب على ضرورة حماية الهوية الوطنية من الذوبان. فمع أن العولمة تجلب مزايا تكنولوجية واقتصادية، إلا أنها تنطوي على نزعة قهرية نحو توحيد الأنماط الثقافية. وبهذا المعنى، ينبغي للقيادة الاستراتيجية أن تصبح حارساً للخصوصية ومحفزا للتميز بدلا من القبول السلبي بالنماذج الجاهزة.
إن الرسالة الأساسية في إطار فلسفة الدكتور الرشيد هي التوصية الحصيفة المتعلقة بتوطين الخبرة وتطوير الإمكانات الفكرية المحلية في قطاعات الخدمة المدنية. فالتجربة التاريخية تُظهر أن الاستعانة بالمعارف الخارجية خلال المراحل الأولى للتنمية كانت استراتيجية مؤقتة تهدف لبناء القدرات. ومن ثم، فإن تنمية دول الخليج العربية في الوقت الحاضر يجب أن تستند إلى توليد الأفكار والحلول محلياً، فـ “أهل مكة أدرى بشعابها”، والمشكلات المحلية المعقدة تتطلب وجهة نظر شخص لديه معرفة عميقة بثقافة المجتمع وأبعاده وسيكولوجيته.
ختاماً، يمكن النظر إلى هذا الطرح بوصفه حجة فلسفية وتنموية تؤكد أن قوة الأمم لا تكمن في محاكاة الآخرين، بل في الوعي الذاتي والقدرة على تطويع الأدوات الحديثة لإنجاز الأهداف الوطنية. وهي دعوة جادة ومبررة لإعادة النظر في الأدبيات الحالية حول الإدارة العامة والقيادة الاستراتيجية من منظور عربي خليجي خالص.
كاتبة وأكاديمية بحرينية