تعيش منطقتنا اليوم واحدة من أكثر المراحل دقة وحساسية في تاريخها المعاصر، فالأحداث تتسارع، والأزمات تتشابك، والمشهد الإقليمي يزداد تعقيدًا، بينما تقف شعوب المنطقة أمام حالة غير مسبوقة من القلق والترقب، في ظل واقع لم يعد حربًا معلنة يمكن التنبؤ بمساراتها، ولا سلامًا مستقرًا يبعث على الطمأنينة. إنها حالة “اللا حرب واللا سلم” التي تستنزف الأعصاب، وتثقل كاهل الاقتصادات، وتضع مستقبل المنطقة أمام تحديات مفتوحة على جميع الاحتمالات.
وفي خضم هذه التطورات، جاءت الاعتداءات الإيرانية الآثمة التي استهدفت البحرين والكويت والأردن لتؤكد أن سياسة التصعيد لم تعد تقتصر على الخطاب السياسي، بل انتقلت إلى ممارسات تمس أمن الدول وسيادتها، وتهدد المدنيين والمنشآت الحيوية، في انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي وميثاق “الأمم المتحدة”، وتقويض مباشر لأسس الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأمام هذه التحديات، برهنت قيادات البحرين والكويت والأردن على مستوى رفيع من الحكمة والمسؤولية وضبط النفس، فأدارت الأزمة بعقل الدولة لا بمنطق الانفعال، وبحكمة القائد لا برد الفعل. لقد كان هدفها الأول حماية الإنسان، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وصون أمن الأوطان، وهي مواقف تستحق كل التقدير والإشادة، لأنها تؤكد أن الحكمة ليست ضعفًا، بل هي التعبير الأسمى عن قوة الدولة وثقتها بنفسها.
ومن هنا، فإن الجهود التي يبذلها مجلس التعاون لدول الخليج العربية تستحق كل التقدير، من خلال تحركاته الدبلوماسية واتصالاته المكثفة مع المجتمع الدولي، ومناشداته المستمرة لمجلس الأمن للاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ خطوات حازمة تجاه الانتهاكات التي تستهدف أمن دول المنطقة واستقرارها، فاستمرار الصمت الدولي أو الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافيًا في مواجهة اعتداءات تمس المدنيين، والمنشآت السكنية، والمرافق التجارية، والبنية التحتية. وفي المقابل، لم تعد تداعيات هذه الأزمة محصورة في الجوانب السياسية والعسكرية فحسب، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، ففي موسم الصيف، الذي اعتادت فيه الأسر الخليجية السفر وقضاء الإجازات، وجد آلاف المسافرين أنفسهم أمام رحلات ألغيت، أو مسارات جوية تغيرت، أو خطط عائلية تعطلت بسبب المخاطر الأمنية وإغلاق بعض المجالات الجوية؛ الأمر الذي ألحق خسائر كبيرة بقطاع الطيران والسياحة، وأثر في حركة التجارة والاستثمار، ورسخ حالة من القلق لم تعد تقتصر على العواصم السياسية، بل وصلت إلى كل منزل.
ومن الواضح أن طهران تحاول، عبر سياسة التصعيد والضغط العسكري، فرض معادلات جديدة في المنطقة، كأنها تريد أن تجعل أمن الخليج ورقة تفاوض، أو وسيلة للضغط من أجل إعادة رسم موازين القوى، غير أن هذه المحاولات تتجاهل حقيقة قانونية وسيادية راسخة، وهي أن أي وجود عسكري أو اتفاقيات دفاعية أو تسهيلات أمنية بين الدول تقوم على قرارات سيادية مستقلة، وبناء على مصالحها الوطنية، ولا يمكن أن تُفرض أو تُلغى بالإكراه أو التهديد أو استخدام القوة، فالقانون الدولي يكفل لكل دولة حقها الكامل في اختيار شراكاتها الأمنية بما يحفظ سيادتها وأمنها الوطني.
لقد أثبتت البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبقيادة حكومتها برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، أنها دولة تؤمن بالسلام العادل، وتتمسك بالحوار والدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه لا تساوم على سيادتها، ولا تقبل المساس بأمنها الوطني، وتقف بثبات مع أشقائها في مجلس التعاون والدول العربية دفاعًا عن أمن المنطقة واستقرارها. ويبقى الدرس الذي ينبغي أن يدركه الجميع أن التاريخ لا يرحم من يعبث بأمن الشعوب، ولا يجامل من يهدد سيادة الدول، فالقوة الحقيقية ليست في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما في بناء السلام، واحترام القانون الدولي، وصيانة حسن الجوار، وترسيخ الثقة بين الأمم.