تنفس البحرينيون والمقيمون على هذه الأرض الطيبة الصعداء عندما أُعلن انتهاء الحرب التي استمرت أربعين يومًا.
عاد الأمل إلى النفوس، واستعادت الأسواق حركتها، وبدأت عجلة الاستثمار والتجارة تسترد عافيتها، وعادت الحياة الطبيعية لتبعث برسالة مفادها أن الاستقرار هو الخيار الذي تتطلع إليه شعوب المنطقة.
غير أن هذا الأمل لم يدم طويلًا، فقد حمل اليومان الماضيان تصعيدًا خطيرًا تمثل في تجدد استهداف مملكة البحرين بالصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة، وتفعيل صفارات الإنذار، في مشهد أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب والقلق، وأثبت أن هناك من لا يريد لهذه المنطقة أن تنعم بالأمن أو أن تتفرغ للبناء والتنمية، فبالله عليكم كيف تفسرون أو تبررون استهداف مبنى سكني في المحرق وفي منطقة سكنية راقية يعيش فيها المواطنون والمقيمون في أمن وأمان؟!
لا شك في أن تكرار هذه الاعتداءات لا يمكن النظر إليه بوصفه حادثة عابرة، بل هو سلوك خطير يهدد أمن الدول واستقرار المنطقة بأسرها، ويقوض كل الجهود الرامية إلى التهدئة وإحلال السلام. ومن هنا جاءت إدانة مملكة البحرين، التي عبّرت عنها وزارة الخارجية بوضوح وحزم، مؤكدة أن احترام سيادة الدول والالتزام بالمواثيق والاتفاقات الدولية ليس خيارًا، وإنما واجب يفرضه القانون الدولي وقواعد العلاقات بين الدول.
في المقابل، وفي خضم هذه التحديات، برز مشهد وطني سيبقى شاهدًا على قوة الجبهة الداخلية، حين اصطف المواطنون، أفرادًا ومؤسسات وعائلات، للتوقيع على وثيقة العهد والولاء لجلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، مؤكدين أن البحرين ليست مجرد أرض تجمع أبناءها، بل وطنٌ تتجذر في نفوسهم قيم الوفاء والانتماء إليه. لقد حملت تلك الوثيقة رسالة واضحة لكل من يراهن على زعزعة استقرار المملكة، مفادها أن القيادة السياسية تحظى بثقة شعبها والتفافه، وأن البحرينيين، كلما اشتدت التحديات، ازدادوا وحدةً وتلاحمًا، وتَرسّخ في نفوسهم الإيمان بأن أمن الوطن واستقراره خط أحمر لا يقبل المساومة.
ولعل ما منح هذه المبادرة خصوصيتها أنها انطلقت من القاعدة الشعبية نفسها، ومن إحساس المواطنين بالمسؤولية الوطنية تجاه وطنهم وقيادتهم، فكانت التعبيرات الصادقة عن الولاء انعكاسًا طبيعيًّا لمشاعر راسخة في وجدان البحرينيين، الذين أثبتوا في أكثر من محطة أن علاقتهم بقيادتهم تتجاوز الاعتبارات السياسية إلى رابطة وطنية وإنسانية متينة.
كما أسهمت الوثائق في إبراز صورة مشرقة للتكاتف المجتمعي، إذ شاركت فيها شخصيات من مختلف المكونات والانتماءات والخلفيات الاجتماعية، في مشهد أكد أن وحدة البحرينيين تبقى الركيزة الأساسية التي تستند إليها المملكة في مواجهة التحديات والمتغيرات.
واليوم، لم يعد مقبولًا أن يكتفي المجتمع الدولي بعبارات الإدانة، بينما تتكرر الاعتداءات وتُنتهك التعهدات والاتفاقات دون رادع. إن المسؤولية تقتضي موقفًا حازمًا يضع حدًّا لهذا النهج، ويحفظ للدول سيادتها، ويصون الأمن الإقليمي من دوامة التصعيد التي لا تخدم أحدًا.