العدد 6493
السبت 25 يوليو 2026
نفسية أهل الخليج والتفاؤل
السبت 25 يوليو 2026

حين تمر منطقة بأزمة ممتدة، هناك من يسأل: كيف تستمر الحياة؟ والإجابة التي تقدمها شعوب الخليج، عملياً لا نظرياً، هي أن الحياة لا تنتظر انتهاء الأزمة لتُستأنف، بل تستمر في قلبها. هذا ليس تجاهلاً للخطر ولا إنكاراً له، بل هو بالضبط ما يُبقي المجتمع متماسكاً: أن يذهب الموظف إلى عمله، وأن يفتح صاحب المحل متجره، وأن يواصل الطالب دراسته، وأن تلتئم العائلة على مائدة العشاء كأي يوم عادي - لأن هذا الاستمرار بحد ذاته هو أعمق أشكال الثقة بالغد.

والتفاؤل هنا ليس سذاجة ولا تجاهلاً للواقع، بل هو خيار واعٍ. فمن يتابع كيف تعاملت دول الخليج مع الأزمة الأخيرة، يلاحظ أن القيادة والمؤسسات اختارت مسار "إدارة الأزمة" لا "الاستسلام لها". فحين تعطلت خطوط تموين الغذاء والدواء بين دول الجوار، فتحت السعودية حدودها البرية الواسعة لتزويد شقيقاتها الخليجية بالمؤن والمواد الأساسية، وواصلت تشغيل موانئها وخطوط سككها الحديدية لضمان استمرار وصول الإمدادات، إلى جانب الوفاء بالتزاماتها في تنظيم موسمي الحج والعمرة وسط كل هذه الظروف. هذا ليس مجرد إنجاز لوجستي، بل رسالة نفسية عميقة لكل بيت خليجي: أن هناك منظومة كاملة تعمل خلف الكواليس لتبقي الحياة اليومية مستقرة، حتى في أصعب الظروف.

ومصدر الاستقرار النفسي الآخر، وربما الأهم، هو الثقة المتنامية بين الناس وقوات الدفاع عنهم. فحين تُطلق صفارات الإنذار في البحرين، لا تكتفي الجهات الرسمية بالصمت، بل تصدر قوة دفاع البحرين بيانات فورية توضح ما جرى بدقة: عدد الصواريخ والمسيّرات التي تم اعتراضها وتدميرها، ومستوى الجاهزية القتالية العالية للوحدات، وتعليمات واضحة ومباشرة للمواطنين والمقيمين. هذا النمط من الشفافية المتكررة هو ما يصنع الطمأنينة الحقيقية: أن يعرف المواطن أن هناك عيوناً يقظة تراقب السماء نيابة عنه على مدار الساعة، وأن يشعر أن الجهة التي تخاطبه تفعل ذلك لحمايته، لا لتهويل الموقف عليه. وهذه الثقة لا تُبنى بالخطاب، بل بتراكم مواقف حقيقية: كل تهديد يُعترض، وكل بيان يصدر في وقته ويثبت صدقه لاحقاً، يضيف طبقة جديدة إلى شعور المجتمع بالأمان.

وهذا الشعور بالأمان الجماعي ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للفرد. فحين يشعر الإنسان أن دولته ومؤسساته تحيطه بمنظومة حماية حقيقية وواضحة، يتغير شكل قلقه: من خوف مشلول لا يعرف له سقفاً، إلى وعي هادئ بالمخاطر مع ثقة بأن هناك من يديرها. وهنا يصبح التفاؤل خياراً منطقياً لا عاطفياً: فالإحصاءات والوقائع تُظهر أن الاقتصاد الخليجي واصل نموه، وأن الأسواق لم تُصب بالشلل، وأن الحياة الاجتماعية والعائلية والتعليمية استمرت بلا انقطاع يُذكر. هذه ليست مؤشرات عابرة، بل دليل ملموس على أن مجتمعاتنا تملك من المناعة النفسية والمؤسسية ما يكفي لتجاوز هذه المرحلة دون أن تفقد توازنها.

ومن أبسط ما يمكن أن يفعله كل واحد منا للحفاظ على هذا التوازن، أن يحافظ على روتينه اليومي دون تهويل أو إنكار: متابعة الأخبار من مصادرها الرسمية في أوقات محددة بدل المراقبة المستمرة التي تستنزف الأعصاب، والحفاظ على علاقاته الاجتماعية والعائلية لأنها أول خط دفاع نفسي حقيقي، والتذكير الدائم لنفسه وللآخرين بأن القلق المشروع شيء صحي، لكن الانجراف خلف كل شائعة أو مقطع مثير للفزع هو ما يستنزف الطاقة النفسية دون فائدة تُذكر. فالبيت الخليجي المستقر نفسياً هو ذلك الذي يعرف الفرق بين متابعة الحدث والانغماس فيه.

وفي النهاية، ما يميز شعوب الخليج في هذه المرحلة ليس غياب القلق - فالقلق مشروع وطبيعي أمام أي تهديد حقيقي - بل قدرتها على أن تحمل هذا القلق دون أن يوقفها عن الحياة. فالأمل هنا ليس انتظاراً سلبياً لأن "تنتهي الأزمة"، بل هو قرار يومي متجدد بأن نواصل العمل والبناء والعيش بكرامة، واثقين بأن من يحرس حدودنا وسماءنا يقوم بذلك بكفاءة وشفافية تستحق ثقتنا. وهذا بالضبط ما يجعل الاستقرار النفسي في الخليج اليوم ليس مصادفة، بل نتاج معادلة واضحة: مؤسسات تعمل بصمت وكفاءة، وشفافية تبني الثقة يوماً بعد يوم، وشعوب اختارت أن تنظر إلى الأمام لا أن تتجمد في مكانها.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية