العدد 6486
السبت 18 يوليو 2026
الخليج الذي لم تُوقفه الحرب
السبت 18 يوليو 2026

هناك فرقٌ جوهري بين أن تكون "منطقة تُدار من الخارج" وبين أن تكون "شعوباً تُدير مصيرها من الداخل". والخليج، رغم كل ما مرّ به من صواريخ عبرت أجواءه وتهديدات حاصرت موانئه، اختار أن يكون من النوع الثاني. لم يتوقف عن العمل يوماً، ولم يُغلق مصنعاً أو ميناءً أو مدرسة انتظاراً لأن "تهدأ الأمور". وهذا المقال ليس عن الحرب، بل عمّا فعلته الشعوب الخليجية في ظلّها - وهو، في تقديري، الحدث الأهم الذي لم يلتفت إليه أحد بما يكفي.

فالصمود الحقيقي ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل استمرار المواطن في الذهاب إلى عمله، والتاجر في فتح متجره، والطالب في الالتحاق بمدرسته، رغم صفارات الإنذار التي سمعها بأذنه. هذا ما حدث فعلياً في البحرين والكويت وقطر خلال أصعب أيام التصعيد الأخير: لم تتوقف الحياة، ولم تُصب الأسواق بالشلل، ولم تهرب رؤوس الأموال كما توقّع كثيرون. وهذه ليست مصادفة، بل نتاج تراكم طويل من بناء الثقة بالمؤسسات، وبقدرة الدولة على حماية مواطنيها ومقيميها في آنٍ واحد. فحين تشعر الأسرة أن دولتها قادرة على حمايتها، فإنها تواصل حياتها بثقة، لا بخوف مؤجّل.

ومن يتابع المشهد الاقتصادي بعيداً عن ضجيج العناوين، يلاحظ مفارقة لافتة: الاقتصاد الخليجي لم يتراجع تحت الضغط، بل واصل مساره التصاعدي، مدفوعاً باستمرار توسع الأنشطة غير النفطية وتحسن نسبي في بيئة الاستثمار. والبحرين تحديداً واصلت تعزيز موقعها كمركز إقليمي للخدمات المالية والتكنولوجيا المالية والصناعات الخفيفة والسياحة العامرة لدينا ،، رغم محدودية مواردها النفطية مقارنة ببقية دول المجلس. وحين قيّمت وكالات التصنيف الدولية الجدارة الائتمانية لمملكة البحرين، أبقتها عند مستوى مستقر رغم كل الاضطرابات المحيطة - وهذه رسالة ثقة دولية لا تُمنح لمن يترنّح.

ومن أكثر ما يستحق أن يُروى، وربما لم يُروَ بما يكفي، قصة الابتكار البحريني وريادة الأعمال الشابة فقد شهدت المملكة قفزة لافتة في قيمة شركاتها الناشئة خلال السنوات الأخيرة، وارتقت في تصنيف منظومات ريادة الأعمال الإقليمية إلى مصاف الأفضل خلال فترة قصيرة نسبياً. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل دليل على أن جيلاً كاملاً من الشباب البحريني اختار أن يبني، لا أن ينتظر. وعلى صعيد الحوكمة ومكافحة الفساد، حافظت البحرين على مكانة متقدمة عربياً، ضمن نادٍ ضيّق من الدول التي تجاوزت العتبة الفاصلة بين الكفاءة المؤسسية الحقيقية والإشكاليات الهيكلية. وهذه ليست تفصيلة تقنية، بل مؤشر على متانة الداخل حين يكون الخارج مضطربا.

واللافت أن دول الخليج لم تتعامل مع هذه المرحلة بمنطق "الدفاع عن المكتسبات"، بل بمنطق "إعادة تعريف الدور". فالأسئلة المطروحة إقليمياً لم تعد تدور حول "كيف نحافظ على النمو"، بل حول كيفية تحويل الاستثمارات الضخمة إلى قيمة مضافة محلية مستدامة، وكيف تتحول المشاريع العملاقة إلى منظومات اقتصادية متكاملة تخلق وظائف نوعية لا مجرد عناوين إعلامية. وهذا تحوّل في العقلية أعمق من أي مؤشر رقمي: من "ريع يُدار" إلى "إنتاج يُبنى". وهذا لا يعني أن التحديات غابت؛ فالضغوط المالية قائمة، وكلفة المعيشة تُثقل كاهل بعض الأسر، والمخاطر الجيوسياسية لم تنته. لكن الفارق بين دولة تُدار في أزمة ودولة تتجمّد بسببها، هو بالضبط ما رأيناه هنا: استمرار الإصلاحات، لا تجميدها؛ استمرار الإنفاق على البنية التحتية، لا وقفه؛ استمرار جذب الاستثمار الأجنبي، لا طرده.

وكثيرون يكتبون عن الخليج من زاوية الخطر المحدق به، وقلّة تكتب عنه من زاوية ما بناه رغم الخطر. وهذه، في تقديري، هي القصة الأهم التي يجب أن تصل إلى صانعي القرار وأصحاب النفوذ في المنطقة والعالم: أن شعوب الخليج لم تنتظر انتهاء التوترات لتعيش، بل عاشت وبنت واستثمرت وابتكرت في قلب التوترات نفسها. وهذه ليست مصادفة ولا حظاً عابراً، بل نتاج عقود من بناء مؤسسات قادرة على الصمود، ومجتمعات اختارت أن تنظر إلى الأمام حتى في أحلك الظروف.
 

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية