العدد 4965
الخميس 19 مايو 2022
د. جميلة السعدون
الفيزياء والحب والمسطرة
الخميس 27 يناير 2022

دار نقاش بيني وبين ابنتي اتسم بنوع من الحِدّة. كان بالها مشغولا بعدة أمور، وكنت قد سألتها في ذلك الحين أن تنجز بالنيابة عني أمرًا هي أخبر مني به فوافقت. مضى الوقت ولم تتواصل معي بخصوص الموضوع، وكنت كلما سألتها عنه كانت تقول لي: إن شاء الله بسويه! ولأن هذا الموضوع كان ذا أهمية بالغة ولا يحتمل التأخير عزمتُ أن أقوم به بنفسي. ولما أتممتُهُ -بعد مشقة- تبيّن لي أن ابنتي كانت قد أنجزته!
النقاش الذي دار بيننا كان كالتالي: لماذا لم تعلميني؟ ردت ببرود: لقد أخبرتك.. حديثنا كان في ذهني، من المفترض أن تتيقني وتثقي فيّ! أجبتها: وما أدراني بم يدور في ذهنك؟ وما علاقة اليقين والثقة في تواصلك اللغوي معي؟ سكتت ولم تعقب!
كثير من العلاقات الإنسانية يتم وأدها -لدى غير العارفين- بسبب انعدام التواصل وانعدام التفاعل والنصح والمساعدة بين الطرفين، وبسبب أن كل طرف -أو أحد الأطراف- يقوم بمحادثة نفسه ويتوقع من الآخر أن يفهمه وأن يدرك قصده. نَصّ القانون الثالث من قوانين نيوتن للحركة على أن القوى تنشأ دائمًا بشكل مزدوج؛ حيث يكون لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس في الاتجاه. ولأن الفلسفة والفيزياء والكون حلقات تداخلت بعضها ببعض كان من المهم تفسير وفهم الروابط الإنسانية في علاقاتنا من خلال هذا المزيج الذي نعيش فيه، مع ضرورة الإشارة إلى وجود اختلافات إنسانية شذّت عن القاعدة العلمية في بعض المواضع، منها قانون مساواة رد الفعل للفعل نفسه هذا (كالتسامح مثلا الذي يأتي كرد فعلٍ على أي نوع من الإساءة). نحن عندما نُصَدِّرُ إلى علاقاتنا أفعالا وأقوالا فسترتد إلينا من الطرف الآخر (في الغالب) نفس القوى التي أطلقناها؛ فإن كانت خيرًا وحبًا وسلامًا ارتدت إلينا خيرًا وحبًا وسلامًا، وإن كانت تجاهلا وإهمالا وتعنتًا فهناك -حسب رأيي- عدة توقعات لرد الفعل؛ فهي قد ترتد إلينا بنفس القوة وبنفس الشكل، أو قد ترتد بنفس القوة ولكن بشكل مختلف كالثورة والتوتر والغضب (وذلك لاستثارة اهتمام الآخر)، أو أن القوة المرتدة ستكون صفرًا. (إذا كانت القوتان متساويتين ومعاكستين فستلغي كل منهما الأخرى لانعدام الحركة).
قرأت ذات يوم وأنا أتصفح تويتر تغريدة تقول: "قبول الأشخاص دون الرغبة بتغييرهم هو أساس الراحة في العلاقات". فعلا سيضمن الأشخاص هنا الراحة لكنهم سيخسرون المتعة وسيضيّعون مغزى الحياة. قبول الآخر دون الرغبة في التغيير يكون -حسب رأيي- مَعَ مَنْ عرفناهم لفترة قصيرة أو مَعَ مَنْ كانت علاقتنا بهم لا تتجاوز حدود العمل أو المعرفة العابرة. أما الرغبة في التغيير فتتواجد مع وجود العِشرة والمشاعر الصادقة ضمن فترة زمنية حَرِيّة بأن تُحترم وتُقدَّر. لكنها في ذات الوقت يجب أن تكون ضمن حدود وضوابط أهمها عدم المساس بالثوابت والقناعات الجوهرية لدى الطرف الآخر؛ فلا أسوأ من أن يكون شعار العلاقة: أيوه أنا مسيطرة.. حمشيك مسطرة!
يتمسك بعض المتوجسين من الحقيقة بمقولات مشابهة للتغريدة أعلاه بذريعة أن أي نوع من النصح أو أية محاولة لتغيير وجهة نظر سلبية هي تغيير للشخصية، وأن هذا الجهد الذي يبذله الطرف الأول (في تقديم نصح أو في عرض وجهة نظر مخالفة) هو عدم تقبّل لهم وعدم فهم لذاتهم! في هذا السياق أجد أن تفسير الشيخ ابن باز في شرح قوله ﷺ "إذا أحبَّ أحدٌ أخاه فليُعلمه" أفضل رد على أصحاب نظرية التغيير والراحة. حيث قال رحمه الله ".. وهذه المحبَّة تُوجِب التَّعاون على البر والتقوى، والتَّواصي بالحق، والتَّناصح..". فمن الطبيعي أن يتأتّى القبول مع المحبة فتقع الثقة ويصبح حينها سماع النصيحة -أو تقديمها- أكثر سهولة لأنها من مصدر محب، هذا هو المنطق.
من المهم أن ندرك أن المساءلات المنطقية، والغيرة المعقولة، والتدخّل الذي لا يعيق التقدم هي أدلة على الحب. وجود هذه الأمور المزعجة (لأحد الأطراف) هي دليل على الاهتمام والرغبة في الاستمرار من الطرف الآخر، أما توقفها فهو دليل على موت العلاقة وانتهائها.

هذا الموضوع من مشاركات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: opinion.albilad@gmail.com
التعليقات

2022 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية