في القطاع العقاري، هناك فارق جوهري بين أن تبني مساكن، وأن تبني مدنًا؛ الأول يحقق احتياجًا آنيًا، أما الثاني فيصنع اقتصادًا ويؤسس لمستقبل أكثر استدامة. ولعل هذا الفارق هو ما يميز التجربة البحرينية في السنوات الأخيرة، وهو ما عكسته مشاركة معالي وزيرة الإسكان والتخطيط العمراني السيدة آمنة بنت أحمد الرميحي، من على منبر “الأمم المتحدة”.
قد ينظر البعض إلى مثل هذه المشاركات باعتبارها حضورًا بروتوكوليًا، لكن الواقع يؤكد أنها تمثل منصة دولية تستعرض من خلالها الدول تجاربها التنموية أمام المجتمع الدولي. وفي هذا الإطار، قدمت البحرين نموذجها في التنمية الحضرية، مؤكدة أن الملف الإسكاني لم يعد يقتصر على توفير الوحدات السكنية، بل أصبح جزءًا من رؤية عمرانية واقتصادية متكاملة.
وتجسد هذه الرؤية مشاريع المدن المتكاملة التي أصبحت واقعًا معيشًا على أرض المملكة، وفي مقدمتها مدينة سلمان، ومدينة خليفة، ومدينة الحد، ومدينة سترة، إذ لم تعد هذه المشاريع مجرد تجمعات سكنية، بل منظومات حضرية متكاملة تجمع بين السكن والخدمات والبنية التحتية والمرافق المجتمعية، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة العمل الإسكاني، من تطوير وحدات سكنية إلى بناء مدن تدعم جودة الحياة وتعزز التنمية الاقتصادية.
ومن زاوية عقارية، فإن أي اعتراف دولي بجودة السياسات العمرانية لا ينعكس على الصورة الذهنية للدولة فحسب، بل يمتد أثره إلى السوق العقارية نفسها، فكلما ارتفعت ثقة المؤسسات الدولية في منظومة التخطيط، ازدادت جاذبية السوق أمام المستثمر طويل الأجل، وهو ما يعزز تنافسية البحرين إقليميًا.
كما أن المبادرات التي تنفذها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، من استكمال تخطيط الأراضي وتطوير المناطق الجديدة وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، لا تمثل مجرد إنجازات تنظيمية، بل مؤشرات اقتصادية تدعم حركة السوق العقارية، وتفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة، وترفع كفاءة استخدام الأراضي.
ولم يعد ربط السياسات الإسكانية بأهداف التنمية المستدامة خيارًا، بل أصبح معيارًا دوليًا لقياس جودة المدن وقدرتها على تحقيق التنمية الشاملة. ومن هنا، فإن مشاركة البحرين في هذا المحفل الدولي تعكس التزامها بمواصلة تطوير مدن أكثر استدامة وتنافسية.
ويبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة على تحويل هذه الرؤى إلى مشاريع نوعية تعزز مكانة المملكة كمقصد جاذب للاستثمار، فالعقار في نهاية المطاف ليس سباقًا في تشييد المباني، بل في بناء مدن قادرة على استقطاب الإنسان والاستثمار معًا، وصناعة قيمة مستدامة للاقتصاد الوطني.
ختم “الطابو”
خلال زيارتنا لبعض الجهات لبحث التحديات العقارية، قمت باستعراض قراءة إحصائية كشفت عن فجوة لافتة في توزيع رخص وكيل المبيعات مقارنة بالوسيط العقاري، إلى جانب تباين ملحوظ بين عدد الذكور والإناث، ما يضع علامة استفهام تتطلب التدخل وإعادة النظر.
*خبير عقاري بحريني