معركة كاظِمة ذات السلاسل فيها عِبْرة لا تُنسى، والتاريخ عنها حكى. سلاسل رُبْط فيها جُنْد فُرْس أنهزموا، وفيلة معهم تروَّعت وداسَّت، بعدما فَرَّ وقِتل هُرْمُز قائد جيش هم أدبروا. هكذا وَصَف المؤرخون حال فُرْس في نزال قاده عرب مسلمين، بطلهم خالد بن الوليد، وقبائل عربية معه، بثوا خَوَر وإِنْكِسار لمُحتل ظَلَم وتجَبّر، فتم حسم نَصْر لم يُبقي لجيش كسرى قرار. في أرض كاظِمة موقعها (الكويت) حيث تخلَّدت. وهي تُعتبر من بواكير حملات على الفُرْس، وصد عدوانهم وظلمهم الذي بلغ أراضي عربية في عراق عظيم، وجغرافية خليج عربي طال كلا ساحليه. حدث أوقد أفران عِزَّة وكرامة، وقوة وشهامة، ومُتسع سردية فيها مزيد وهو كالتالي؛
شهدت أرض العراق وبعض سواحل الخليج العربي فتوحات عربية إسلامية مُبكرة. مراحلها الأولى هي حملات برية، حيث لم يكن آنذاك وسائل نقل بحرية كافية تتيح الإنطلاق بعيدا عِبر البحار، رغم إدراك قادة العرب المسلمين لقيمة الثغور البحرية، حيث يُعرف ميناء الأُبُلَّة المهم القريب من البصره، وهو واقع على فَمِّ الخليج العربي، وكان مطمحا لجعله قاعدة بحرية اثناء حملة خالد بن الوليد ضد الفُرْس عام 12هـ، والتي حينها قاد معركة ذات السلاسل أو كاظِمة الواقعة على الساحل الغربي للخليج العربي، وهي مدينة الجهراء في كويت اليوم. هذه المعركة أنتصر فيها العرب المسلمين، وقُتِل قائد الفُرْس هُرْمُز، وتمَّ التمكُّن من ميناء الأُبُلَّة. هذا الإنتصار دفع بعدها عدة معارك على الأكاسرة بقيادة خالد بن الوليد لإعادة شخصية الخليج العربي إلى أصله.
وما يلى، هو بعد معركة كاظِمة؛
موقعة المَذَار حدثت كذلك في عام 12هـ شمال الخليج العربي على ضفاف دجلة بين بلدتي العمارة والقرنة، وتبعتها معركة الولجه نفس العام 12هـ والتي تقع على الفرات، عقبها معركة الحيرة وتقع جنوب وسط العراق على مسافه 7كم جنوب مدينتي النجف والكوفة، حينها كانت الحيرة مملكه المناذرة التي أسسوها، وهم لخميون من قبيلة كهلانية قحطانية وأسقطها الفُرْس سابقا.
وفي عام 13هـ توالت المعارك فكانت معركة بابل، ثم معركة الجسر قرب قرية قس الناطف على الفرات حيث كان العرب على ضفته الغربية، والفُرْس على ضفته الشرقية وثمة جسر يصل بين الضفتين. ثم معركة البويب عام 14هـ والتي تقع قرب الكوفة، بعدها معركة القادسية عام 16هـ وقائدها سعد بن أبي وقاص وموقعها شرق الفرات جنوب الكوفة.
معركة القادسية كان الإنتصار فيها إيذانا بانهيار إمبراطورية فارس، ونذير شؤما لها، حيث طُرِد الفُرْس من العراق، وهذا ما كان في معركة المدائن عام 16هـ، والتي تقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة 35كم جنوب شرق بغداد وهي عاصمة الفُرْس الشتوية. وبهذه السلسلة من المعارك، وغيرها من التتبع للجيش الفارسي التي لم تقف عند العراق، بل طالت العمق الساساني في بلاد فارس، والذي فيه تمَّ تثبيت العراق والخليج ومرجعيته العربية، وبهذا تكوَّن في العهد العربي الإسلامي الأثر والتمدد على الخليج العربي.
خلفية قبل معركة كاظِمة؛
المثنى بن حارثة الشيباني، يُعتبر أول من بدأ قتال ضد الفُرْس. وهو سيد قومة من بني شيبان وهم من بكر بن وائل، وقد أسلم ووِفد مع قبيلته على رسول الله سنة 9 من الهجرة. في بداية خلافة أبي بكر الصديق، وكان شوكة على الفُرْس وجيشهم في العراق، وكان له حظوة وتقدير في عهد العرب المسلمين، وبعدما أنتهت حروب الردة أرسل أبوبكر كتاب إلى المثني مع خالد بن الوليد ومعه عشرة آلاف مقاتل، وطلب منه الإنضمام ومن معه إلى جيش خالد، فأصبح 18 ألف، وهم من كانوا في معركة كاظمة أو ذات السلاسل، وكان جيش الفُرْس أكبر عددا مع فيلة تمشي معهم، وكانت سلاسل تُقيدهم ليثبتوا ولا يهربوا. توجه خالد إلى العراق في محرم وقيل رجب سنة 12 من الهجرة. وبينما هو في طريقه، أرسل إلى هُرْمُز حاكم العراق، وخَيَّره بين الإسلام أو القتال، فاختار هُرْمُز القتال، وطلب المَدَد من كسرى، الذي أتاه بوفرة وتوجه بجيشه إلى كاظِمة، حيث يُوجد جيش المسلمين. فقام خالد بسحب جيشه إلى الحضير قرب كاظِمة، فلاحقه هُرْمُز إلى هناك، ثم عاد خالد إلى كاظِمة، فلحقه هُرْمًز وسبقه إلى الماء. وكان خالد يعلم مدى ثقل الجيش الفارسي، فأراد إنهاكه قبل المعركة.
لما رأى المسلمون استحواذ الفُرْس على الماء، زادت حماستهم للقتال من أجل الحصول عليه. وخطب فيهم خالد بن الوليد قائلا “ألا أنزلوا وحطوا أثقالكم ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين”. زحف المسلمون إلى الفُرْس، فأنزل الله المطر عليهم فشربوا ونهلوا منه. ثم دعا هُرْمُز خالد للمبارزة، وكان ينوي الغدر به، حيث أمر عدداً من فرسانه باستغلال الفرصة وقتله. لكن القعقاع بن عمرو التميمي لحق به مع جماعة من الفرسان، ثم انقض المسلمون على الفُرْس وهزموهم. هكذا هو تاريخ العرب المسلمين، وهم أهل صبر وأناة لا يقبلون الهوان حملوا ذلك في موروثهم، وهكذا بنوا دولتهم، وطردوا الفُرْس والرومان من ديارهم.
معركة كاظِمة فيها عِبرة، والمتأمل في مقاربات اليوم، والتي تطفح في طموح هيمنة وإعتداء، قد ترى فيها مركب نقص حضاري، وثأر تاريخي يتدثر به بعض نُخب ساسة ومفكرين، سرى وتحول عندهم في اللاوعي إلى نزعة فوقية تغشَّاها عقدة نفسية فيها رغبة تحدي الغير من قوميات وشعوب محيطة، وهذا لا يدوم لأن ناموس العواقب والخواتم يُحْبَط أعمالهم. والدرس المأخوذ أن من أراد البقاء والأثر في منظومة البشر، لا يجتر إستعادة أمجاد سلطوية قَبَرها التاريخ، بل يسعى في بناء حاضر فيه طموح مستقبل له سلم ونهوض بشري ضمن قيم إنسانية.
ختاما؛
"إن التاريخ لا يُحركة العتاة السفاكون وحدهم، إنما يبعثه العادلون المصلحون، وكلّ منهما له دورة في مسيرة التاريخ"
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |