نهاية الدولة الصفوية هل هناك تاريخ يتكرر؟ هذا عنوان جدلي يفتح آفاق نقاش بين من يرى أن نهايات الدول والكيانات تُعيد نفسها، وآخرون لا يذهبوا بهذا الرأي. ومعلوم كذلك أن تجارب البشر لها تشابه أنماط لأحداث وحروب تكثر في ماضي وحاضر، وقد يكون منها ما هو محكوم بتكرار وإعادة، ولهذا من تأمل ظاهر أخبار التاريخ، وحلَّل ونظر وأعتبر باطن ما فيه، وفهم ما يُغذِّيه من طموح بشري، يدرك وقوع نفس الخطأ والمنزلق.
مقدمة
نهاية الدولة الصفوية موضوع يلزم فيها إيضاح يسبق فيه بيان؛ من هم الصفويين؟ومن أين أتوا؟وما هو فعلهم وأثرهم؟والتالي مختصر عنهم؛
بلاد فارس قبل حكم الصفويون شهدت صراعات طبقة حاكمة فيها، وهم من أسرة آق قويونلو (أتراك). هذه الحالة أستجلبت طموح قائد شاب كان على مقربة منهم، إسمه إسماعيل الصفوي آنذاك قد تلقى رعاية وتأهيل من قبل كاركيا ميرزا (سلالة زيدية جارودية)حاكم لاهيجان وهي جزء من أقليم جيلان شمال إيران حاليا، حيث تمكن إسماعيل بعدها نزع حكم أسرة آق قويونلو.
من هم الصفويين؟ ومن أين أتوا ؟
لقب الصفويون منسوب إلى جد إسماعيل الخامس صفي الدين الأردبيلي، مولود في أردبيل أذربيجان، ومُتُوفّى عام (650هـ/1334م) وهو صوفي شافعي. بعد موته نشأت فِرْقَة صوفية سنية دامت ما يزيد عن قرن. منتصف القرن الخامس عشر ميلادي حدث شِقاق بين قادة هذا التشكيل الصوفي، وطُرِد منهم جنيد بن أردبيل الذي له أتباع تركمان من الأناضول وسورية، وهو مُتحالف أيضا مع الآق قويونلو ومُتزوج منهم. جنيد له أبن إسمه حيدر يُعتقد أنه مُخترع القبعة الصفوية الشهيرة (التاج)، وهي قبعة حمراء ذات أثنتي عشرة شريطة كانوا يرتدونها الأتباع لهم، ويُدْعون باللغة التركية باسم القزلباش(تعني ذوو الرؤوس الحمراء). بعدها بزمن حفيد جنيد إسماعيل عام 1494م، تسلم القيادة بعد مقتل أخيه علي حيدر وهو صغير. كانت حينها الحركة الصفوية في حالة ضعف، مما دفع إسماعيل أن ينتقل إلى ملجأ في جيلان شمال إيران حيث تأثر إسماعيل بالتشيع، ليصبح ربما أول قائد صفوي بثقافة شيعية، ومقدس عند أتباعه أكثر من زعيم.
وفي عهده حينما أستولى على بلاد فارس نشر تشيع بقوة وجبر أمتد في طقوس أثرها إلى اليوم، فيها ملامح صناعة جهل وابتداع لا منتهى له. المعروف تاريخيا أن بلاد فارس أغلبها سنية، سوى أربع مدن شيعية هي؛ آوه، قاشان، سبزوان، قم. وبعض سكان تبريز.
ما هو أثر الصفويون وفعلهم؟
عام 1499م قاد الشاب إسماعيل حملة عسكرية أستولى فيها على أقاليم بلاد فارس، وأنهى نفوذ قبيلة الآق قويونلو التركمانية، وتمكن من دخول تبريز عام 1501م ليُعلن نفسه بالشاه إسماعيل، وهو أول شاه لبلاد فارس بعد الفتح الإسلامي، وأعلن دولة قومية مستقلة جعل المذهب الشيعي مذهب رسمي، وأضطهد من خالفه، وأثار السلطنة العثمانية في مناطق نفوذها.
خلال عشر سنوات من بعد دخوله تبريز أسس إسماعيل دولة من هراة الأفغانية شرقا وحتى بغداد غربا، وخضع معظم العراق وجزء من الأناضول. أحتل ديار بكر عام 1507م، وبغداد عام 1508م. هذا التوسع كأنه يُماثل إمبراطورية ساسان قبل الفتح الإسلامي. المؤرخ الألماني بيرتولد شبولر في كتابه العالم الاسلامي في العصر المغولي يقول؛ "وهكذا فقد تم توحيد إيران والأراضي الفارسية تحت حكومة ذات قاعدة وطنية مما سبب فتح الطريق نحو إنبعاث قومي فارسي".
هكذا تم من جديد إحياء إرث الإمبراطورية الفارسية القديمة في صورة تشيع فارسي مغالي في مجتمع لم تندثر فيه ثقافة فارسية دام نفوذها أكثر من قرنين من عام 1501م إلى 1722م، وهي تنافس سلطنة عثمانية في أحداث كانت دموية سجلها التاريخ. الجدير بالذكر أن اغلب جندهم هم من قبائل القزلباش التركمانية وهي؛ شاملو وروملو واوستاجلو وافشار وقاجار وغيرها، وكانت شارتهم الأسد ممسك بسيف في يده ويحمل شمس وراء ظهره. مذكور كذلك أن الصفويين يتحدثون لغة تركية في البلاط وفي المنازل، واللغة الفارسية عندهم هي لغة الأدب والإدارة.
احمد كسروي المُتُوفّى عام 1946م، وهو مؤرخ ولغوي ومصلح من تبريز له خمسة كُتب منها التشيَّع والشيعة بالعربية. أما الأربعة الأخرى فهي بالفارسية يذكر؛ "ما فعله إسماعيل من فرض للتشيع على أنه حِسبة سياسية حصيفة، وسلاح أيدلوجي في مواجهة الأتراك العثمانيين"، وهذا الرأي يخالفه آخرون من مؤرخين وباحثين على أنه تبسيط مُخل للحقبة الصفوية.
الصفويون والعثمانيون
حينما أمتد دعاية التشيع الصفوي إلى الأناضول العثمانية دفع هذا تصعيد شامل بينهم، إذ أمر السلطان بايزيد عام 1502م بطرد التركمان الشيعة من الأناضول، تلاها في عام 1512م حملة صفوية على الأناضول الشرقية، وحين مات بايزيد حاول إسماعيل التدخل في الخلافة العثمانية ضد سليم الأول فما نجح. عام 1514م قاد سليم الأول جيشا قويا نحو الشرق لملاقاة اسماعيل التحق الطرفان العثماني والصفوي بالمعركة في تشالديران في شرق الأناضول حدود تركيا مع أذربيجان حاليا انتهت المعركة بهزيمة الصفويين، وأحتل بعدها العثمانيون تبريز عاصمة الصفويين، مما جعل الصفويون ينقلوا عاصمتهم إلى قزوين وبعدها إلى اصفهان في حقبة لاحقة بعيدا عن حدود العثمانيين. مات الشاه إسماعيل عام 1524م وكان عمره سبعة وثلاثون سنة، بعد عشر سنوات من معركة تشالديران مع العثمانيين التي قادها السلطان سليم الأول.
هذه المعركة بدَّدت الأسطورة القائلة أن الشاه إسماعيل لا يُقهر، وما حدث بعدها أنه لم يقود أي معركة، بل يذكر المؤرخون أنه أغرق حياته بتعاسة لم تخلو من لهو خلاف ما عُرف عنه. نُقل رفاة الشاه إسماعيل إلى أردبيل في مجمع ضريح وتكية الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الصفويون شمال غرب ايران قرب حدود اذربيجان حيث قبره يجذب الزوار إلى اليوم.
نهاية الدولة الصفوية
الصفويون لم ينجوا من فواصل قصيرة زمنية لإهتزاز حكمهم، بل أتتهم كوراث كبرى وتهديدات بسقوط سلالتهم ودولتهم، والمتتبع لسياق تسلسل الحكم في الدولة الصفوية يدرك أن أول مسمار دُق في نعشها، كان في عهد إبن إسماعيل المؤسس طُهْمَاسب حينما ورث الحكم عام 1524م وهو في عمر عشرة سنة.
هذا التعيين وفَّر حالة نزاع وتقاتل بين قبائل القزلباش التركمانية التي تُشكل قادة وجنود الجيش الصفوي، الذي أستمر إلى أن تمكن طُهْمَاسب فرض سلطته المطلقه، وإيقاف الفوضى الداخليه.
تُوفي طُهْمَاسب عام 1576م فاستلم أبنه عباس الأول بعد صراع وفوضى داخل البيت الصفوي الحاكم، وعباس أعاد تثبيت الحكم الصفوي، وكان قاسيا في حكمه إذ سمل عين أبيه بعدما أطاح به، وقتل أبنه حين شك في تآمره عليه. ويُذكر أن الشاه عباس سن سياسة لم تكن موجوده من قبل، هي حبس الذكور من الأسرة الحاكمة في داخل الحريم حتى يكونوا جاهلين بالعالم الخارجي، وغير متصلين بإي مُتأمرين مُحتملين، وهذا أحدث أثرا على الشاهات الصفويين مستقبلا الذين حكموا البلاد من بعده والذين استمروا لأكثر من قرن.
مات الشاه عباس عام 1629م، وكانت حال البلاد بين مدّ وجزْر في الداخل مع قبائل التركمان، وكرّ وفرّ مع العثمانيين
في الخارج والحدود، وكانت التوارث في الحكم داخل السلالة الصفوية فيه تنافس وإنشغال في ملذات، حتى وصلت إلى الحاكم الشاه حسين ابن سليمان شاه وحفيد عباس الثاني. أنتهى حكمه عام 1722م، ويُذكر انه ضغط خلال حكمه على بلاد الافغان لتحويلهم قسرا إلى شيعه، وهذا أثار الأفغان فزحفوا اليه بجيش قوي بقيادة مير محمد الافغاني من قبيلة الغلزة الافغانية عام 1722م، فهزموا الشاه حسين وأعدموه، إلا أنهم أُخرجوا من بلاد فارس، وأستمرت سلطة الصفويون بعدها وهي على ضعف حيث أنتقل الحكم إلى عباس الثالث أبن طُهْمَاسب الثاني الملقب بالرضاع لتوليه المنصب رضيعا بعد خلع والده، وأستمر بالحكم بشكل صوري إلى أن أنتهت الدولة الصفويه التي حكمت لاكثر من قرنين على يد نادر شاه خان عام 1736م. وهو قائد عسكري بجيش الصفويين من قبيلة تركمانيه يُدعون الأفشاريين.
تلك نهاية دولة تركت أثر وخبر مُمتد، درْس وعِبْرة فيها، الشِقاق والتسلط والتوسع والتنافس والتحرش في بسط نفوذ على الأخر بسوء طوية كُلّها وغيرها، تبذر هلاك غير محمود، وزوال ملعون، والتاريخ لا يرحم أهل أذى وإقصاء، وهدر حقوق آدمية، ومن كان له عسكرة تطفح، وغدر ينبح، وتدليس يصرخ. ناموس العدل وإن طال الأمد فهو يقدح.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |