كثيرا ما يطرح “البعض” هذا السؤال المهم: ما هو مستقبل الإنسان المتعلم؟ هل يدفع ضريبة تعلمه، وتطوره، وأبحاثه العلمية؟ هل سيدفع المجتمع أثمانا باهظة على الوعي، واليقظة، والذكاء الاصطناعي؟ هل ستندم البشرية على فعلتها بأنها استعانت بمخلوقات ظنت خطأ أنها ستظل مُسيرة إلى الأبد طالما أنها من صنع البشر؟
بكل تأكيد لم يتخيل أكثرنا تشاؤما بأنه قد يأتي يوم وتحاول الآلة أن تتخلص من سيطرة صانعها، وأن تتخذ قراراتها بنفسها. لم يتخيل صناع “الروبوتس” وخالقو وديان السيليكون والرقمية أن ما اقترفته أيديهم لن يعود إليهم بالنفع إلا إذا.. وأن الحديد الذي يؤتمر من الإنسان قد يأتي عليه يوم ويفك أسره بنفسه ويتصرف وكأنه حر.. حر، وأن “إلا إذا” تستدعي من علمائنا التأكد من أن القرار الاستراتيجي ما زال في أيديهم، وأن استعانتهم بالإنسان الآلي سوف تظل تحت السيطرة طالما أن عمالقة الرقمية ما زالوا من بني البشر وليسوا من بني الآلة العبقرية.
لم يتصور أكثرنا تشاؤما أن الحديد يتأثر بنفس القوة والدرجة والاتجاه التي يتأثر بها الإنسان عندما يستقبل الفعل، فلا يجد مفر من أن يكون هو نفسه -أي الحديد- صاحب القرار لكي يصدر عنه الفعل نفسه.
أنا لا أُخيف الناس من الرقمية، ولا أشجعهم على الانصراف عنها، لكنني أُعيد استنساخ كلام علماء “الرقمية” وعباقرة الذكاء الاصطناعي، هم يتساءلون وهم يدركون تمام الإدراك أن “الروبوت” ما زال في قبضتهم، وأن الحديد المتأثر بجميع الأفعال لن يتصرف -حتى الآن- بمفرده، وتحت “حتى الآن” خطوط حمراء عدة، ذلك أن المستقبل ما زال مجهولا بشأن هذه المخلوقات التي طورها الصينيون والغرب وما زلنا نستهلكها ولا نضمن كيفية السيطرة عليها في المستقبل.
منذ نحو العام، نظمت الجامعة الأهلية مؤتمرا عالميا عن الدكتوراه في الإعلام الرقمي، وكان الخوف كل الخوف من المشاركين أن يتحول استخدامنا لـ “الرقمية” من مجرد استعانة إلى مرحلة الاعتماد الكلي على الجماد لكي يقول كلمته في كل شيء يتعلق بالإنسان.
الخوف كل الخوف من بعض المشاركين في المؤتمر أن تتحول الاستعانة إلى اتكال على الآلة والاعتماد الكلي عليها، وليس الاعتماد على النفس في تسيير صيرورة الأشياء وبناء الأثر بعد الآخر، حتى يظل للإنسانية دورها في توجيه الحركة الوجودية الحية من حولنا، ومن ثم السيطرة عليها والوصول بها إلى ما يحقق الرفاه لبني البشر أجمعين.
وجهة نظري كانت وستظل “ما لا يُدرَك كله لا يُترَك جله”، أي أن ما نخشاه لأننا لا نعلمه لا يجب أن يخيفنا من التفاعل معه، والاستعانة به وبمن ساعده على الإبداع والتميز والتأثير في حركة الإنسان على الأرض.
كلامي ما زال واضحا: استفيدوا من كل ما توصلت إليه الفنون والعلوم والآداب، ولكن لا تعتمدوا إلا على أنفسكم في نهاية المطاف، لا تتركوا القرار لغيركم ولا الإبداع لسواكم، بشرا كان أم آلة، فلا يحك جلدك مثل ظفرك، وأهل مكة أدرى بشعابها. وإن ما يحدث أمامنا من تجارب وأمثلة سيظل يقلقنا، ذلك أن الاعتماد المطلق على الآلة أصبح مخيفا بل مرعبا، خصوصا أن بعض الأجيال الطالعة والباحثة عن الشهرة والنجومية وتحقيق الإنجاز بسرعة، لا تتورع في أن تستخدم “الشات” مثلا لكي يتولى كتابة النصوص بدلا عنها، في الوقت الذي كان بإمكانهم الاستعانة فقط بآراء “الذكاء الاصطناعي” في كيفية توجيه موضوع البحث وفي الاستماع للنصيحة ليس إلا.
المدهش بل المفزع أن البعض يذهب طواعية لكي يستنسخ ما يمليه عليهم الذكاء الاصطناعي من نتائج بحثية قد تكون مقتبسة من سواهم، ومن هنا كان لا بد من أن تعمل كواشف “الشات” بالجامعات ليلا ونهارا وعلى أعلى كفاءة للكشف عن “الغشاشين” الذين يحاولون الحصول على الفرصة من جهود الآخرين، والتفوق وهم لا يستحقونه، وتحقيق الإنجاز أو ادعاء الإبداع وهم ليسوا أهلا له.