تضمنت طرحا عن أوضاع أبناء البحرينية من أجانب
دراسة للشملاوي عن قانون الجنسية وأبعاده القانونية والحقوقية
سلّطت دراسة قانونية أعدّها المحامي عبدالله الشملاوي الضوء على أحكام الجنسية البحرينية وأسس اكتسابها، مؤكدةً أهمية الجنسية باعتبارها رابطة قانونية وسياسية تحدد حقوق الفرد وواجباته، مستعرضةً الأسس التي تقوم عليها الجنسية بين رابطة الدم ورابطة الإقليم، ومسلطةً الضوء على الإشكالات القانونية المرتبطة بجنسية أبناء المرأة البحرينية ومدى تأثير ذلك في مبدأ المساواة والحقوق الدستورية.
تعريف الجنسية
وأوردت الدراسة أن المقصود بالجنسية رابطة سياسية وقانونية بين الشخص ودولة معينة تجعله عضوًا فيها وتفيد بانتمائه إليها ويغدو في حالة تبعية سياسية لها، مبينة أن من يتمتع بهذه الرابطة يسمى وطنيًا، أما الذي لا يتمتع بها فهو الأجنبي، وأن لجنسية الفرد أهمية كبرى في تحديد شعب كل دولة وفي تحديد حقوق الشخص وواجباته، ولافتة إلى أن للوطني حقوقًا أكثر وعليه التزامات أكثر من الأجنبي، وأن الحقوق السياسية مثلًا مقصورة على الوطنيين ولا يتمتع بها الأجانب، وبعض الواجبات مقصورة على الوطنيين كالخدمة العسكرية، كما أن الوطنيين لا يجوز إبعادهم عن إقليم الدولة، على عكس الأجانب.
أنواع الجنسية
ووفقًا للدراسة، فإن الجنسية كما تكون للأشخاص الطبيعيين (أي الأفراد) فإنها تكون أيضًا للشخصيات الاعتبارية كالشركات. كما بيّنت الدراسة أن القانون التجاري في غالب الدول يعترف بجنسية الدولة للشركات المساهمة التي تؤسس على إقليمها، والتي يكون مركزها الأصلي فيها، بصرف النظر عن تعدد جنسية الشركاء، وأن الجنسية إما أن تكون أصلية وإما أن تكون مكتسبة، والجنسية الأصلية هي الجنسية التي تثبت للشخص لحظة ميلاده، ومن أجل هذا وصفت بالأصالة، باعتبار أنها الجنسية التي تلحق الشخص عند اتصاله بالحياة، والبعض يسميها جنسية الأصل، أو الجنسية المفروضة أو جنسية الميلاد.
رابطة الدم
وجاء في الدراسة أن الدول تختلف في الأساس الذي تبنيها عليه، فقد تحدد الجنسية الأصلية على أساس السلالة وتعرف بـ “رابطة الدم”، وبمقتضاها يكون للولد جنسية أبيه، وفي ذلك يقولون إن “رابطة الدم” يقصد بها أن الأب هو المسؤول عن عملية وجود الجنين، أما الأم فليست إلا وعاء، أخذًا من قول الشاعر الجاهلي: “بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد”، وأن البحرين وسائر الدول العربية تأخذ بهذه النظرية على رغم ما فيها من اتصال بالموروث الذي ذكره الشاعر، وهي منافية للعلم الحديث.
رابطة الإقليم
ولفتت الدراسة إلى أن الجنسية قد تتحدد على أساس مكان الميلاد وتسمى “رابطة الإقليم” وبمقتضاها يكون للفرد جنسية الدولة التي ولد على إقليمها بصرف النظر عن جنسية الأب، وهو المذهب الذي تأخذ به بريطانيا والولايات المتحدة وكندا وكثير من الدول الغربية، وغالبًا ما تمزج الدولة بين الأساسين فتحدد جنسيتها بصفة رئيسة على أحد الأساسين – رابطة الدم أو رابطة الإقليم – مع الاعتراف بمكان محدود للأساس الآخر.
الجنسية المكتسبة
وتابعت الدراسة بأن الجنسية المكتسبة، أو كما يسميها البعض اللاحقة أو الثانوية المختارة، فهي تطلق على الجنسية التي يكتسبها الفرد بعد الميلاد، ويحصل عليها الفرد إما بالتجنس، وهو يتحقق عندما يستقر الفرد نهائيًا في دولة غير موطنه الأول، فتعطيه هذه الدولة جنسيتها إذا طلبها وكان مستوفيًا لشروط اكتسابها، وإما بالزواج، إذ تقرر قوانين بعض الدول حق الزوجة في اكتساب جنسية زوجها بمجرد الزواج كما كان القانون البحريني قبل التعديل، أو بطلب تقدمه الزوجة إلى سلطات دولة زوجها كما هو الحال في التشريع البحريني النافذ الآن، وهو حق مقرر في الواقع لزوجها المواطن وتحرم منه هي، فلا يستطيع زوجها الأجنبي أن يتمتع بجنسيتها، وهو شكل آخر من أشكال التمييز ضد المرأة.
تنظيم الجنسية
وتضمنت الدراسة أن لكل دولة كامل الحرية في تنظيم جنسيتها وما يتفق مع نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فتقوم بإصدار قوانين تنظم بها الجنسية والأساس الذي تقوم عليها وطرق اكتسابها، وأن البحرين قد أصدرت في السنة 1963 قانونها الخاص بالجنسية بالرقم 8 للسنة 1963، الذي عُدّل بالعام 1984، وهو القانون المعمول به حاليًا بعد أن طالته يد التعديل.
هدف الدراسة
وهدفت الدراسة وفق الشملاوي إلى تعريف المرأة البحرينية خصوصا بما ورد في قانون الجنسية البحريني بشأنها لنرى أوجه قصوره، ولتكون المرأة البحرينية مشاركة بشكل فعال في محاولة تغيير ذلك القانون وإلغاء التمييز الحاصل ضدها لمصلحة الرجل، لأن تأثير جنسية الأم البحرينية في جنسية ابنها يختلف باختلاف جنسية الأب.
حالة الأب البحريني
وتابعت الدراسة بأنه في حالة كون الأب بحرينيًا، إذ أخذ قانون الجنسية البحريني للعام 1963، كسائر التشريعات العربية، برابطة الدم كأساس يعتمد عليه في منح الجنسية البحرينية، فيعدّ بحرينيًا كل شخص يولد لأب يحمل الجنسية البحرينية، وقد نصت على ذلك المادة الرابعة من قانون الجنسية وقررت أنه يعدّ الشخص بحرينيًا:
أ- إذا ولد في البحرين بعد تاريخ العمل بهذا القانون وكان أبوه بحرينيا عند تلك الولادة.
ب- إذا ولد خارج البحرين بعد تاريخ العمل بهذا القانون وكان أبوه بحرينيا عند تلك الولادة، على أن يكون هذا الأب أو جدّ الشخص لأبيه قد ولد في البحرين.
تأثير الأم
ويتضح من خلال النص السابق، وفق الدراسة، أن القانون قد أسبغ على الشخص المولود من أم بحرينية وأب بحريني الجنسية البحرينية، وليس ذلك تأثرًا بجنسية الأم، فجنسيتها ليس لها أي تأثير، إذ يُعدّ الشخص المولود بحرينيًا تبعًا لجنسية أبيه حتى لو كانت أمه أجنبية.
الأب المجهول
واستكملت بأنه في حالة كون الأب عديم الجنسية أو مجهولًا، أو لم تثبت نسبة الابن إليه، ففي هذه الحالات نرى تأثير جنسية الأم واضحًا على جنسية ابنها، إذ يُعدّ بحرينيًا لأن أمه بحرينية، وذلك وفق ما نصت عليه المادة الرابعة الفقرة (ج) التي تنص على أنه يعتبر الشخص بحرينيًا إذا ولد في البحرين أو خارجها بعد تاريخ العمل بهذا القانون وكانت أمه بحرينية عند ولادته، على أن يكون مجهول الأب أو لم تثبت نسبته لأبيه قانونًا أو أن يكون أبوه لا جنسية له.
الأب الأجنبي
وجاء في الدراسة أنه في حالة كون الأب أجنبيًا فإن تمتع الأب بجنسية دولة أخرى يحرم الابن من أن يكون بحرينيًا تبعًا لجنسية أمه البحرينية، ذلك أن المادتين 4 و5 من قانون الجنسية المذكور قد حددتا الشخص الذي يحق له التمتع بالجنسية البحرينية، وبالمفهوم المخالف فإنه يعتبر أجنبيًا، ولا تنطبق عليه أي من الحالات الواردة في المادتين 4 و5 سالفتي الذكر من قانون الجنسية.
حماية الأم
وأردفت: من خلال النصوص السابقة نلاحظ أن القانون قد أسبغ الجنسية البحرينية على الأشخاص المولودين لأم بحرينية وذلك في الحالات التالية: أولًا حالة عدم ثبوت نسبتهم إلى أبيهم، وثانيًا في حالة كون الأب مجهولًا، وثالثًا في حالة كون الأب عديم الجنسية، وقد توخى الشارع فيما نص عليه القضاء على إمكان وجود أشخاص عديمي الجنسية، وهي مشكلة يعانيها كثيرون وتحاول دول العالم جاهدة تفاديها والقضاء عليها، لما تمثله من اعتداء صارخ على حق الإنسان في الانتماء إلى وطن. وتُعد هذه المادة من حسنات قانون الجنسية البحريني إذ أنصف فيها المرأة البحرينية، إلا أنه يؤخذ على المشرع في هذه المادة قصره تأثير جنسية الأم البحرينية في جنسية ابنها على ثلاث حالات فقط، إلا أن المشرع عاد ليضيّق بموجب المرسوم بقانون رقم 12/1989 تلك الحالات الثلاث إلى اثنتين فقط إذ استثنى منها حالة كون الأم بحرينية والأب عديم الجنسية، وكان أحرى بالقانون أن ينص على اكتساب الشخص جنسية أمه البحرينية متى لاحت إلى الوجود فكرة أنه سيصبح من الأشخاص عديمي الجنسية، أو بعبارة أخرى إن عدم اكتساب الشخص لجنسية أبيه لأي سبب يعطيه الحق في اكتساب جنسية أمه البحرينية.
مقترح عاجل
وتضمنت الدراسة مقترحًا عاجلًا أن يصدر المشرع قانونًا يتبنى هذه الفكرة والنص عليها صراحة، واضعًا في اعتباره حال الأمهات البحرينيات المتزوجات من أجانب والمقيمات على أرض البحرين، واللاتي لم يكتسب أبناؤهن جنسية آبائهم، والنظر لما يعانينه من مشكلات وصعوبات كثيرة متمثلة في الحاجة إلى الحماية والأمن والاستقرار والإقامة على أرض الوطن الذي عشن وتربين فيه هن وأبناؤهن دون أدنى خوف من إبعاد أبنائهن منه باعتبارهم أجانب، إضافة إلى حاجة أبنائهن إلى العمل على أرض وطنهم ووطن أمهاتهم دون الخوض في مشكلات التصاريح المطلوبة على الأجنبي، إضافة إلى الحاجة إلى التعليم وما تشكله مصروفاته من عبء يثقل كاهل الأم البحرينية إذ لا يحق لأبنائها الالتحاق بالمدارس الحكومية والانتفاع بالتعليم والعلاج المجاني وحاجات ومشكلات أخرى كثيرة يصعب تعدادها.
إزالة الصعوبات
وشددت على أن الاعتراف للأم البحرينية بحق ابنها الذي لم يكتسب جنسية أبيه في اكتساب جنسيتها، إزالةٌ لهذه الصعوبات وحلٌّ لجميع المشكلات بالنسبة إلى الجنسية الأصلية، أما بالنسبة إلى الجنسية المكتسبة فقد تناولها الشارع في المادة السادسة من قانون الجنسية، وبملاحظتها يتضح وجود قصور فيها من نواحٍ كثيرة، وظلم للمرأة البحرينية التي تُعدّ مساوية للرجل بحسب ما تنص عليه المادة 18 من الدستور البحريني الصادر في 1971 لقولها بتساوي الناس في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
وبيّنت الدراسة أن من هذه الحقوق التي كان من المفترض أن تتساوى فيها المرأة مع الرجل، حق لم يعترف به قانون الجنسية البحريني إلا في حدود ضيقة سبق ذكرها، وهو يتخلص في إعطاء المرأة البحرينية هذا الحق كلما أمكن تفاديًا لظهور أشخاص متعددي الجنسية، لأن في التجنس مجالًا خصبًا لإعطاء المرأة البحرينية حقها ورفع التمييز الواقع عليها لصالح الرجل، وذلك بإلغاء أي شروط مطلوبة لتجنس أبناء الأم البحرينية ومنحهم الجنسية بمجرد إبداء الرغبة في الانضمام إلى حقوق المواطنين.
مسوغات التمييز
وزادت الدراسة أن البعض سوّغ التمييز ضد المرأة في قانون الجنسية بحجج واهية ملخصها أن تأثير الأم البحرينية في أبنائها أضعف كثيرًا من تأثير الأب الأجنبي عليهم ما يؤثر في شعور الأبناء بالولاء للبحرين، ومن ثم في أهليتهم للحصول على الجنسية البحرينية، وأن ما يعيب هذه الحجة أنها أغفلت أن الولاء للبحرين كوطن، شعور نفسي وسلوك يصعب تقييمه أو تحديده، وأن الحجة الثانية تتعلق بالأمن القومي خصوصا في حالة البحرينيات المتزوجات من بعض الأجانب المشكوك في انتمائهم إلى جماعات غير موالية للبحرين، وهذه الحجة لا تسوّغ الاستمرار في تطبيق قانون غير دستوري وحرمان المرأة البحرينية من حقوقها في المساواة التي نص عليها الدستور البحريني.
العدالة القانونية
وأكملت بأن القانون قد أغفل الحالات التي يكون فيها أبناء الأم البحرينية والأب الأجنبي في حاجة إلى الجنسية البحرينية ويعانون أبلغ الأضرار لعدم تمكنهم من الحصول على هذه الجنسية، واقتصر على استثناء حالة أبناء الأم البحرينية من أي فرصة أو حق في الحصول على الجنسية البحرينية، وفضلًا عن أن ما سبق يُعدّ تمييزًا صارخًا ضد المرأة البحرينية، فإن قانون الجنسية لم يضع في اعتباره أي حالة استثنائية لأم بحرينية تطلق أو ترمل وتحتاج إلى الإقامة في البحرين مع أبنائها الذين سيُعدّون من الأجانب في هذه الحالة.
الخاتمة
ختامًا دعت دراسة الشملاوي إلى وقفة خاصة من المشرع مع قانون الجنسية لإنصاف المرأة التي تعد نصف المجتمع، وهي التي نظم الدستور والاتفاقيات الدولية أمر مساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات، ونبذ النظريات التقليدية التي أُسّس عليها قانون الجنسية في هذه النقطة على الأقل، خصوصًا مع دخول معظم الدول في اتفاقيات دولية عديدة لحماية المرأة وصون حقها حتى غدت من ضمن النظم العالمية للمجتمعات المتمدنة التي كانت تحت نظر المشرع التأسيسي في البحرين، وكان الدستور البحريني سبّاقًا إلى الأخذ بتلك النظم العالمية، فلا أقل إذًا من تعديل النص محل البحث وتفسيره بما يناسب دور المرأة البحرينية في مجتمعها.
