العدد 6496
الثلاثاء 28 يوليو 2026
الاستقصاء في الصحافة
الثلاثاء 28 يوليو 2026

الفرق كبير، ويبدو واضحا، عندما ننقل خبرا على لسان صاحبه أو المؤسسة التي تتبناه، وعندما نبحث في ما وراء الخبر، ونكشف عن تفاصيل التفاصيل، عن طريق الحدس ومبدأ الشك الذي دائما يبدأ بسؤال “لماذا؟”، فحين ترتسم الخيوط وتتداخل بين ثنايا العقل البشري لتولّد نقاط التقاء وتقاطع لموضوع بات في دائرة التساؤل، ساعتها تبدأ خطوات التحقيق الاستقصائي معلنة مسيرة البحث في رحلة تكملة الإجابات المنقوصة.
الصحافي، في التحقيق الاستقصائي، يمثل دورا محوريا في الكشف عن الحقيقة، والكشف عن الخلل الإداري في بعض المؤسسات (وليس الهدف فضيحة الأشخاص مرتكبي الخطأ بقدر ما هو حماية للمصلحة العامة وكل ما يخدم المجتمعات)، كانت هذه النقطة من ضمن أبرز المحاور التي تحدثت عنها الصحافية ندى فهد أثناء محاضرتها “هل توجد تحقيقات استقصائية في الصحافة البحرينية”، التي قدمتها بمركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء الثلاثاء الماضي، وسعدت بإدارة حوار هذه المحاضرة.
تُبرز الصحافة الاستقصائية العديد من الأدوار التي يقوم بها الصحافي، فيمارس دور المحامي المدافع عن المصلحة العامة، والمحقق الذي يتتبع آثار الخطأ والجريمة، ودائما يبحث عن خيط النور وبصيص الأمل للوصول إلى الحلقة المفقودة من الرواية، فيعتمد على الوثائق، ويلجأ إلى مصادره السرية ويقارن بين الشهادات التي يدلي بها أصحابها، كما يعتمد على حضوره الميداني بكشف إحداثيات وتفاصيل المكان، مع وضع الاعتبار لكل ما سبق، لأهمية حضور أخلاقيات المهنة.
الإجابة عن سؤال “لماذا؟” قد تطول، لكنها تأتي محمّلة بالتغيير نحو الأفضل، فالجهود التي تقوم بها الصحافة الاستقصائية قد تغير قوانين وقد تنص على تشريعات جديدة من شأنها تغيير الواقع وتطويره عما كان عليه في فترة سابقة.  

وذلك على مستوى مجالات عديدة، صحية وقانونية وبيئية واجتماعية وغيرها. إن الإجابة عن سؤال “لماذا؟” تتطلب العديد من المهارات لدى الصحافي، والانشغال بالفكرة ومآلاتها، وفق منهجية علمية.
لا يخفى على أحد، من جانب آخر، أن الصحافة، المرئية منها على وجه الخصوص، أصبحت بحد ذاتها بحاجة إلى استقصاء، عن طريق التأكد من مدى صحتها في نقل الأخبار والمعلومات، فالصحافي عليه أن يتوخى الحذر من المعلومات التي يستقيها ويتلقاها ويبحث عنها، وهنا نكون أمام استقصاء آخر قبل أن يبدأ الصحافي استقصاءه، ففي ظل التطور الرقمي أصبح لزاما التحقق من المعلومات الزائفة والاختراقات الرقمية المضللة.
عزيزي القارئ، تسهم التحقيقات الاستقصائية في البحث عن مكامن الخلل، والكشف عما يخفى على العين العادية أن تراه، بواسطة تحريك أدوات البحث والاستقصاء، نحو مجتمع آمن من العثرات الإدارية والممارسات المجتمعية والشخصية التي يراد لها بعض التعديل والتغيير، حيث يمكن لتحقيق صغير الحجم أن يحدث تغييرا كبيرا لمصلحة المجتمع، فلا تقاس النتائج والفوائد بالكثرة أو السرعة، بقدر حجم التأثير والنتيجة التي يريد الصحافي أن يصل إليها من خلال تحقيقه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .