العدد 6496
الثلاثاء 28 يوليو 2026
قيمة الصفر
الثلاثاء 28 يوليو 2026

فجر الـ12 من أغسطس العام 1929م، وقعت حادثة بحرية بليغة على بعد 12 ميلا ونصف الميل من ساحل البحرين. كانت الحادثة عند خط عرض 26.25 شمالا، وخط طول 51.2 شرقا. طرفاها: سفينة بخارية اسمها “باندرا” ورحلتها مرقمة بـ169، تابعة لشركة الملاحة البخارية في الهند البريطانية، وربانها الكابتن آرثر دانبروك، يعاونه بحار من سورات اسمه والا بن باكا. أما الطرف الثاني فهو مركب غوص شراعي بحريني (جالبوت) طوله 24 ذراعا، ربانه النوخذة حسن بن محمد بوعلي من الحد، يعاونه رجل محرقي اسمه دليم بن عبدالهادي. كانت السرعة عند الارتطام نحو 5 عقد، في بحر عمقه 6 قامات.
تحطم المركب البحريني في عرض البحر وأصبح أثرا بعد عين، لكن بحارته الـ21، وهم 8 غواصين، و7 سيوب، و4 مساعدين، ومتدرب، بينهم ثلاثة يافعين (12، 13، 15 سنة) هم ابن وابنا أخ النوخذة، قفزوا إلى الماء قبل الارتطام فنجوا. وانتشلت مراكب غوص أخرى كانت قريبة من المكان 19 شخصا منهم، واثنان أنقذهما قارب طوارئ يعود للباخرة “باندرا” عند الساعة الـ6 وعشر دقائق صباحا. أما حمولة المركب البحريني فقد غرقت بالكامل وهي أرز، وسكر، وشاي، وسمن، وتمر، وقهوة، وأخشاب (بدون تقدير ثمن)، و500 روبية نقدا، ولؤلؤ (بينه دانتان) تقدر قيمته بنحو 12 ألف روبية أو أكثر، فضلا عن “الجالبوت” الذي قدرت قيمته بـ 14 ألف روبية، أي ما بين 28000 و30000 روبية.
كابتن الباخرة ألقى اللوم على نوخذة المركب لأنه انعطف فجأة نحوه ولم يبذل أي جهد لتغيير مساره، قائلا إنه أدار الدفة بشدة إلى اليمين وأعطى أمرا للمحرك بسرعة إلى الخلف، لكن السفينة تباطأت في الاستجابة بسبب الرياح القوية. أما النوخذة فقال إنه لم يكن بمقدوره الانحراف وإنزال الشراع بسبب الرياح والموج العالي، وأن الباخرة لم تغير اتجاهها (مع قدرتها على ذلك) ولم تطلق صافرتها للإنذار، على الرغم من أنهم لوحوا إليها ونادوا عليها من على بعد 150 ياردة.  

بعد أسبوعين من الحادثة، تطلب الأمر عقد محكمة بحرية في بومباي، ثم تقرر أن تبت في القضية المحكمة المشتركة في البحرين. لكن بعد أشهر، أعلن الوكيل السياسي البريطاني في البحرين C.G. Prior أنه تدخل بشكل شخصي لدى المتخاصمين لإنهاء القضية بعيدا عن المحكمة، وأنها سوّيت بالتراضي. فكيف حدث ذلك؟
دفعت الشركة المالكة للباخرة 3000 روبية للنوخذة البحريني (الذي كان واقعا تحت ضغط الديون ومطالب البحارة مع قرب مجيء موسم غوص جديد) مقابل توقيعه على وثيقة إبراء من كل مسؤولية أخرى، واعتبار الحادثة منتهية. وقد اعتبر وكلاء الشركة المالكة للباخرة أنها تسوية معقولة جدا، مقدمين الشكر للوكيل السياسي على جهوده.
أما الوكيل فرد بطريقته: “أنا سعيد للغاية بهذه التسوية المرضية، والتي يعود الفضل فيها إلى الروح المعقولة التي أظهرها الطرفان”. وانتهى الأمر، لتكون النتيجة أن يعطى الضحية 3000 روبية فقط بدلا من 30000 روبية، بعد إزالة صفر من المبلغ.. ويا له من صفر!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .