منذ طفولتنا في “فرجان” البحرين، كانت رحلة “الخبّاز” طقسا يوميا ممتعا، كنّا نذهب بـ “الفوطة” القطنية لنلف فيها الخبز الساخن فور خروجه من التنور، وبـ “طاسة” الألومنيوم لنجلب “الباجلة والنخي”. كانت تلك عادة فطرية صحية تسبق زمنها بكثير. أما اليوم، في العام 2026، فنحن نتحسر على تلك العادات أمام زحف أكياس النايلون وعلب البلاستيك التي تغلف طعامنا الساخن بمواد قد تتسلل إلى أجسادنا.
أتذكر في رحلتي الأولى إلى كوالالمبور بالعام 1997 كيف كان البلاستيك هو السيد في تعبئة الأطعمة والمخبوزات الساخنة. قيل لي حينها إن الأوساط الطبية تربط بين هذه الممارسة وبين ارتفاع معدلات بعض الأورام. واليوم لم يعد الأمر مجرد تكهنات. في فبراير 2026، احتضن البرلمان الأوروبي في بروكسل مؤتمرا دوليا حذر فيه العلماء من ظاهرة “النانوبلاستيك” (Nanoplastics)، جزيئات بلاستيكية متناهية الصغر تتفتت بفعل حرارة الطعام، وتمتلك القدرة على اختراق جدران الخلايا البشرية، والدخول إلى مجرى الدم، والاستقرار في الأعضاء الحيوية مثل الكبد والقلب، وقد تؤثر في وظائف الخلية. وبمعنى أبسط: عندما نضع الخبز الساخن في كيس بلاستيكي عادي، فإننا لا نعرض الغذاء للمواد الكيميائية مثل “الفثالات” فحسب، بل قد نُدخل إلى أجسادنا جسيمات فيزيائية دقيقة لا نراها. ومملكة البحرين كانت سباقة في هذا المجال من خلال القرار رقم (7) للسنة 2026، الذي حظر الأكياس البلاستيكية الرفيعة (أقل من 57 ميكرون) لحماية البيئة والصحة العامة، ونحتاج تطبيق المنع على أكياس النايلون التي لا تزال تستخدمها المخابز الشعبية والمنشآت الغذائية الصغيرة لتعبئة الطعام الساخن.
قد يكون السبب التكلفة الإضافية للأكياس الورقية والعبوات الآمنة، لكن هل تقارن تكلفة “كيس ورق” بتكلفة علاج مريض أو صحة جيل كامل؟
بعض دول الجوار قطعت شوطا كبيرا عبر جولات تفتيش صارمة تلزم المخابز بالبدائل الآمنة. ونحن في البحرين أحوج إلى تفعيل مبدأ “درهم وقاية خير من قنطار علاج” قبل فوات الأوان.
إذا كان إلزام المحالّ بالبدائل يواجه تحديات اقتصادية، فلماذا لا نعتمد على الوعي المجتمعي من الأسفل؟ ولماذا لا نلزم المخابز على الأقل بوضع يافطة تحذيرية واضحة، كما هو الحال في علب السجائر؟ تحذير صحي: “استخدام الأكياس البلاستيكية للأغذية الساخنة قد يؤدي إلى انتقال جزيئات النانوبلاستيك إلى جسمك”.
مثل هذه العبارة البسيطة كفيلة بهز وجدان المستهلك ودفعه للعودة إلى حقيبته القماشية أو فوطته القطنية.
حماية المستهلك معركة وعي مجتمعي وتبنٍّ لسياسات صحية مبنية على أحدث الأدلة العلمية. يبدأ الحل بقرار شخصي يستعيد “الفوطة والطاسة”، ويتوازى مع رقابة صحية أشد صرامة، بحيث لا يكون رزق المخابز على حساب صحة أجيالنا.