العدد 6496
الثلاثاء 28 يوليو 2026
التحول القادم
الثلاثاء 28 يوليو 2026

ثمة لحظة صامتة تفصل بين ما كان، وما سيكون، لحظة لا يلتفت إليها أحد، مع أنها أكثر اللحظات تأثيرًا في حياة الإنسان: إنها العتبة، ذلك الحد الفاصل بين قرارين، بين قناعة قديمة وأخرى تولد، بين باب يغلق وآخر ينتظر أن يُفتح، كل التحولات الكبرى تبدأ منها، ثم ينصرف التاريخ إلى الحديث عما جاء بعدها.
والغريب في ذلك هو أن الإنسان يولي اهتمامًا بالغًا للنتائج، بينما تمر العتبات في حياته دون احتفاء، يحتفل بالنجاح، وينسى اللحظة التي امتلك فيها شجاعة البداية، فيصفق للوصول، ويغفل الخطوة التي غادرت منطقة الأمان، يروي الحكاية من نهايتها، مع أن معناها الحقيقي كُتب عند أول تردد، وأول مخاطرة، وأول قرار.
لهذا تبدو حياة كثير من الناس متشابهة من الخارج، على رغم اختلافها العميق من الداخل، فالقرارات الكبرى لا تصنع تحت الأضواء، إنما في حوار خفي يخوضه الإنسان مع نفسه، حيث تتصارع الرغبة والخوف، والطمأنينة والمجهول، والاعتياد مع الاحتمال. هناك يتشكل المستقبل، قبل أن يظهر في صورة إنجاز يراه الجميع، وهكذا الأفكار تعبر عتباتها الخاصة.
لذا نجد أن فكرة واحدة تحتاج أحيانًا إلى سنوات حتى تعثر على صاحب يؤمن بها، أو مجتمع يستقبلها، أو زمن يمنحها فرصة الحياة، ولهذا تتأخر بعض الأفكار عن الظهور، مع أنها كانت صحيحة منذ البداية، لأن الزمن كان يحتاج إلى أن ينضج قبلها.
واللافت أن الثقافة المعاصرة انشغلت بالسرعة أكثر من انشغالها بلحظة العبور نفسها، فصار الوصول غاية مستقلة، واختفى الاهتمام بما يتركه الطريق في شخصية السائر. مع كل اختصار للمسافة، يخسر الإنسان جزءًا من الخبرة التي كانت تصنع حكمته، لأن الحكمة ابنة الرحلة، وليست ابنة المحطة الأخيرة.  

ومع ذلك فإن العتبات تصنع البشر أكثر مما تصنعهم النهايات، فمن يعبرها بوعي يعود شخصًا آخر، حتى لو بقي المكان هو المكان، والناس هم الناس، فالتحول الحقيقي يحدث في الداخل، ثم يحتاج العالم وقتًا حتى يلاحظه.
ربما لهذا السبب يظل السؤال الأهم في حياة كل إنسان بعيدًا عن سؤال: ماذا حققت؟ ويقترب أكثر من سؤال آخر: أية عتبة امتلكت شجاعة عبورها؟ وأية عتبة اخترت البقاء أمامها؟

الجملة الخالدة:
“مصير الإنسان يُكتب عند العتبات.. أما النهايات فليست سوى إعلان متأخر”.

 

*كاتبة وأكاديمية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .