ما الذي يجعل وجود الإنسان إضافة إلى العالم؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، غير أنه يعيد ترتيب كثير من المقاييس التي اعتدنا أن نحاكم بها الحياة، فالأعمار تتشابه في عدد أيامها، وتختلف في مقدار ما تضيفه إلى الوعي الإنساني.
تبدأ القيمة الحقيقية عندما يدرك الإنسان أن وجوده ليس مساحة يشغلها، إنما أثر يتركه، فكل فكرة تنير عقلًا، وكل موقف يصون كرامة، وكل معرفة تنتقل بإخلاص، تضيف إلى الحياة معنى يتجاوز حدود صاحبها. ولهذا لم تُخلِّد الذاكرة الإنسانية أصحاب النفوذ وحدهم، إنما احتفظت بمن وسّعوا أفق الفكر، وأيقظوا الضمير، وغيّروا طريقة النظر إلى الإنسان، فالقيمة التي تعيش طويلًا هي التي تواصل عملها بعد غياب صاحبها.
ومن هنا يمكن فهم الحضارة بوصفها تراكمًا للقيم قبل أن تكون تراكمًا للمنجزات، فالمباني تشهد على مرحلة، أما الأفكار فتصنع مراحل جديدة، والمؤسسات تؤدي أدوارها، أما الإنسان الواعي فيمنحها روحها واتجاهها. وحين تجعل المجتمعات بناء الإنسان أولوية، فإنها تستثمر في المصدر الذي تتولد منه بقية الإنجازات، فالعقول الواعية تنتج معرفة، والقلوب المؤمنة برسالتها تصنع ثقة، والثقة تفتح الطريق أمام الإبداع والمسؤولية والعمل المشترك.
ومن يتأمل “مملكة البحرين” يلحظ أن كثيرًا من قصصها الهادئة تبدأ من هذا المعنى؛ الاستثمار في الإنسان، والحرص على اتساع الفرص، وتعزيز المبادرات التي تمنح الطاقات مساحة لتتحول إلى أثر، وهي رؤية تدرك أن التنمية تبلغ ذروتها حين يشعر الإنسان أن له مكانًا، ودورًا، ورسالة. ويبقى السؤال الذي يستحق أن يرافق كل واحد منا: ماذا أضاف وجودي إلى العالم لم يكن موجودًا قبلي؟ فالإجابة عن هذا السؤال ترسم ملامح العمر كله، لأن الإنسان يُعرف في نهاية المطاف بما أبقاه من قيمة، أكثر مما يُعرف بما حققه من إنجاز. وتبقي الجملة الخالدة: “الأعمار تُقاس بالزمن، أما القيمة فتُقاس بما يبقى من الإنسان بعد أن يغيب”.
*كاتبة وأكاديمية بحرينية