العدد 6468
الثلاثاء 30 يونيو 2026
أثر يوم
الثلاثاء 30 يونيو 2026

ثمة أسئلة لا تبحث عن إجابة بقدر ما تعيد ترتيب الإنسان من الداخل، ومن أكثرها عمقًا سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره: ماذا لو مُنحت يومًا واحدًا لتُظهر أفضل ما عندك؟ فمثل هذا السؤال لا يختبر حجم الإنجاز، إنما يكشف ترتيب القيم التي تمنح الحياة معناها الحقيقي.
وعندها تتغير العلاقة مع الزمن، فاليوم الواحد قد يتسع لعمر كامل حين يُملأ بالمعنى، وقد تمر أعوام طويلة دون أن تترك في الذاكرة أثرًا يوازي لحظة صادقة عاشها الإنسان بكامل وعيه. فالأسئلة العظيمة لا تغيّر الإجابات فحسب، إنما تغيّر المقاييس التي نحاكم بها حياتنا، وقد يكتشف كثيرون أن أفضل ما لديهم لم يكن موهبة استثنائية، ولا منصبًا رفيعًا، ولا إنجازًا يلفت الأنظار، فقد يكون كلمة أعادت الطمأنينة إلى قلب، أو فرصة منحت إنسانًا بداية جديدة، أو علمًا انتقل بإخلاص، أو موقفًا صان كرامة أحد في لحظة كان بأمسّ الحاجة فيها إلى من يسانده.
ومن هنا تتبدل معايير النجاح، فالإنسان يغادر المكان الذي يقف فيه، ويبقى في المكان الذي ترك فيه أثرًا، وكلما اتسعت دائرة هذا الأثر، أصبح العمر أكثر امتلاءً، واكتسبت الأيام قيمة تتجاوز عددها إلى ما أحدثته من تغيير في حياة الآخرين.
ولهذا تبدو الحياة سلسلة من الفرص الهادئة التي تمر كل يوم، فرصة للإصلاح، وفرصة للإلهام، وفرصة لفتح باب ظل موصدًا أمام أحدهم، فالأثر العظيم يبدأ في الغالب من فعل صغير أدرك صاحبه قيمته قبل أن يدرك حجمه.
وتزدهر المجتمعات حين تكتشف أفضل ما في أفرادها، ثم تمنحه مساحة للنمو والعطاء. فالأوطان لا تبني مستقبلها بالمشروعات وحدها، إنما تبنيه أيضًا بالثقة التي تمنحها للإنسان، وبالبيئة التي تجعل كل طاقة قادرة على أن تتحول إلى قيمة مضافة في حياة المجتمع.  

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا: إذا كان يوم واحد قادرًا على أن يكشف أفضل ما لدينا، فما الذي يمنع أن يكون هذا اليوم هو اليوم الذي نعيشه الآن؟ فالأثر الذي يبقى لا تصنعه وفرة الزمن، إنما يصنعه عمق الحضور، وصدق النية، وشجاعة أن يمنح الإنسان أفضل ما عنده قبل أن يطلبه الزمن منه.

كاتبة وأكاديمية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .