العدد 6468
الثلاثاء 30 يونيو 2026
أول تريليونير
الثلاثاء 30 يونيو 2026

 هذا الشهر سُجِّل دخول أول “تريليونير” في العالَم. إنه إيلون ماسك. فبعد أن كان يجني أكثر من مليون دولار في الدقيقة خلال عام 2025 م لم يعد مقاس الرجل يَسَعه أن يُوصَف بأنه مليونير، أو ملياردير، بل تريليونير. الوجه الآخر من الصورة، أن ماسك باتت ثروته اليوم تفوق ثروة ما يقرب من 4 مليارات إنسان مجتمعين، أي ما يعادل 46 بالمئة من سكان العالَم، هكذا تحدث نبيل أحمد في مقال له بعنوان: ”How Trillionaires Are Really Made“ في بروجيكت سنديكيت.
التساؤل المشروع هنا: هل الرجل صَنَعَ كل هذه الثروة من “عبقرية” نادرة، أو من “مثابرة استثنائية” كما كان يقول أثرياء أميركا الأقدمين، أم أن الأمر مرتبط “بمنظومة سياسية واقتصادية تسمح بتراكم الثروة والنفوذ” كما يقول أحمد؟ الشواهد تؤكد أن الأمر مرتبط بالحالة الثانية. كيف؟
ماسك لديه شركات كبرى في الاتصالات، وأقمار صناعية، ولديه شركات عملاقة في التقنية، والحكومة الأميركية ممثلة في وزارة الحرب وغيرها، تعتمد على شركاته. بل إن عقودًا جديدة قد أُسنِدَت له، وأُوقِفَت التحقيقات مع شركاته، وخُفِّفت اللوائح التي تُقَيِّدها. وباعتقادي أن المشهد لا يرتبط بـ ماسك وحده بل بطبقة الأثرياء الأميركيين جميعًا. 
قبل فترة، شُرِّع قانون في الكونغرس، ووقعه الرئيس أطلِقَ عليه: قانون One Big Beautiful Bill. لا يهم ما جاء في تفاصيله الكثيرة سوى أمرين: الأول أنه ضرب أهم برامج دعم الطبقة الفقيرة في الولايات المتحدة وهي Medicaid وSNAP، والثاني أنه أزال التأمين الصحي عن أكثر من أربعة ملايين إنسان هناك!. 

ماسك نفسه عندما عُيِّنَ بأمر تنفيذي ضمن مبادرة DOGE كان موافقًا على إلغاء المساعدات الأميركية المقدمة لأفقر الناس في العالم بنسبة 80 بالمئة من برامج USAID. والتقديرات تشير إلى أن ذلك قد يؤدي إلى ما يُقَدَّر بنحو 700 ألف حالة وفاة سنويًّا حتى عام 2030 م لارتباط ذلك الإلغاء ببرامج مكافحة الملاريا والسل والإيبولا. هذا هو المشهد الأكبر الذي صَنَعَ ثروة ماسك وغيره، والذي تسير فيه الولايات المتحدة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
دائمًا ما يُشاع عن المواطن الأميركي أنه لا يكترث بالسياسة، ولا التصويت في الانتخابات، وهذا أمر صحيح، ولكن ليس كل أميركي. فالأميركيون الأثرياء يُصوِّت 99 بالمئة منهم في الانتخابات، ويتحدثون في السياسة خمسة أيام في الأسبوع، ويتابع 84 بالمئة منهم الشأن السياسي معظم الوقت، و68 بالمئة منهم يتبرعون لأغراض سياسية، و44 بالمئة من الاتصالات التي يجرونها من سياسيي الحكومة والمشرِّعين مرتبطة بمصلحة اقتصادية، مثل تنظيمات مصرفية، أو أسهم في بنوك، أو تراخيص، أو تأثير تشريعات على أعمالهم.
لذلك نجد افتراقًا كبيرًا بين توجهات هؤلاء وبقية الأميركيين العاديين. ففي الوقت الذي يطالب 46 بالمئة من الأميركيين بتوسيع موضوع الضمان الاجتماعي نجد 33 بالمئة من الأثرياء يطالبون بتقليصه، لكن في الوقت ذاته، 80 بالمئة من الرافضين لموضوع الضمان، يطالبون بزيادة إعانات المزارع؛ لأنهم باختصار مُلَّاكها، الذين لديهم بُنيَة رأسمالية ضخمة. هذا هو المشهد الحقيقي في الولايات المتحدة، والذي يصنع الثروات.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .