في خطوة وُصفت بأنها “منعطف تاريخي” في مسار العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة، أعلن الجانبان عن اختتام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، والمزمع توقيعها رسميًّا في الخريف المقبل. يفتح هذا الاتفاق صفحة جديدة من الشراكة الاستراتيجية التي تتجاوز التبادل التجاري التقليدي لتشمل مجالات الذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية، والابتكار، والطاقة النظيفة.
يأتي هذا الاتفاق في توقيت مهم، حيث يعكس تحولاً في موازين الشراكات الاقتصادية الدولية بعد بريكست. فبينما تواجه المملكة المتحدة تحديات اقتصادية هيكلية، يمثل السوق الخليجي – بما يتمتع به من ناتج محلي إجمالي قوي وقدرة شرائية عالية – فرصة استراتيجية مهمة للجانب البريطاني.
تحديات ما بعد بريكست
منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، تواجه بريطانيا ضغوطًا اقتصادية شملت تراجع بعض معدلات النمو، واضطراب سلاسل الإمداد، وفقدان جزء من الميزة التنافسية في السوق الأوروبية. هذه التحديات دفعت لندن لتسريع جهود تنويع شراكاتها التجارية، ووجدت في أسواق الخليج بديلاً واعدًا.
يعتمد الاقتصاد البريطاني بشكل كبير على قطاع الخدمات، ويحتاج إلى استثمارات أجنبية في البنية التحتية والتكنولوجيا النظيفة، بالإضافة إلى فتح أسواق جديدة أمام شركاته في مجالات الخدمات المالية والرقمية. في المقابل، يتيح الاتفاق لدول الخليج تعزيز صادراتها وتوطين التقنيات المتقدمة، دعمًا لجهود التنويع الاقتصادي.
دبلوماسية الغرف الخليجية
لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل ثمرة جهود مستمرة قادها اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي بالتكامل مع الغرف التجارية الخليجية وغرفة التجارة العربية البريطانية.
وعلى مدار سنوات، لعبت “دبلوماسية الأعمال” دورًا محوريًّا في تذليل التحديات الفنية والجمركية. فمنذ المنتديات الاقتصادية الخليجية البريطانية الأولى والثانية (في 2014 و2016)، نجح قطاع الأعمال الخليجي في تشخيص العوائق ومواجهة السياسات الحمائية والرسوم الجمركية المفروضة سابقًا على المنتجات الاستراتيجية كالألومنيوم والبتروكيماويات. لقد شكلت هذه الغرف منصة ضغط حقيقية، واستشرفت مبكرًا آفاق ما بعد «بريكست»، محوّلة التحديات السياسية الدولية إلى فرص استثمارية وتشريعية تخدم الصادرات الوطنية والقطاع الخاص الخليجي.
آفاق واعدة
من المتوقع أن تسهم الاتفاقية في إزالة الرسوم الجمركية عن نسبة كبيرة من السلع (تصل إلى أكثر من 90 % في مراحل مختلفة)، مما يعزز القدرة التنافسية للصادرات الخليجية في السوق البريطانية والأوروبية. كما ستفتح الباب أمام تعزيز التعاون في القطاعات الواعدة مثل التقنية، والأمن الغذائي، والصحة، والخدمات المالية.
مقترح
في إطار الاستعداد لإستثمار هذه الإتفاقية بشكل فاعل، نرفع مقترح إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي واتحاد غرف دول مجلس التعاون والغرفة العربية البريطانية، وندعو غرفة تجارة وصناعة البحرين للعب دور ريادي في تنظيم “المنتدى الاقتصادي الخليجي البريطاني للمستقبل الرقمي والاستثمار المستدام” في الربع الأخير من عام 2026، بالتزامن مع التوقيع النهائي للاتفاقية.
أبرز أهداف المنتدى المقترح:
* شرح بنود الاتفاقية ومزاياها العملية للشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة.
* رسم خارطة طريق للتعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، التجارة الرقمية، والخدمات المالية.
* تنظيم لقاءات B2B مباشرة بين المستثمرين والشركات من الجانبين لتحويل الاتفاقية إلى مشاريع حقيقية