العدد 6463
الخميس 25 يونيو 2026
ثلاثون عامًا على تفجير أبراج الخبر... ذاكرة الألم وصمود الإنسان
الخميس 25 يونيو 2026

لم يكن مساء يوم الثلاثاء 25 يونيو 1996 مساءً عاديًّا في الذاكرة، بل تحوّل في لحظة إلى علامة فارقة لا تُمحى. ففي تلك الليلة الحارة الرطبة والطلاب يراجعون دروسهم حيث إنها فترة اختبارات نهاية العام الدراسي، وبينما كنت مستلقيًا في بيتنا بمدينة الخبر، أتابع مباراة الأهلي والزمالك، دوّى انفجار هائل هزّ أركان المنزل بعنف، وقذف بي من فوق السرير، واقتلع النافذة والستارة، ناشرًا حالة من الذعر لم أعهدها من قبل.
خرجت مسرعًا، حافي القدمين، فوجدت أختي الصغرى بالشارع ترتجف من الخوف وبيدها كتاب مدرسي كانت تراجع به، وهناك عشرات من السكان - رجالا ونساء وأطفالا - توافدوا مذهولين نحو موقع الانفجار، فبيتنا قريب جدًّا من مكان الحدث، وتبيّن أن الحادث استهدف مجمعًا سكنيًا يقطنه عسكريون أميركيون. كانت مشاهد الدمار صادمة؛ مبنى متضرر جزئيًّا، سيارات محطمة، ثم بعد ذلك علت أصوات الإسعاف وملأت المكان، وأسفرت العملية التي نُفذت بواسطة صهريج مفخخ، عن مقتل 19 عسكريًّا أميركيًّا وإصابات عديدة وعشرات الجرحى من جنسيات متعددة.
في ذلك الوقت، قامت الحكومة السعودية مشكورة بتعويضنا ماليًّا لإصلاح الأضرار التي لحقت بالبيت، إلا أن ما لا يمكن إصلاحه بسهولة هو الأثر النفسي العميق الذي خلفته تلك اللحظات. فمنذ ذلك اليوم، بدأت معاناتي الطويلة بسبب صدمة عصبية حادة أثّرت على صحتي بشكل كبير، ففي السنة الأولى تحديدًا، بلغت حالتي مرحلة حرجة كادت تودي بحياتي، لولا لطف الله ورحمته.
مرت السنوات، لكن آثار الحادث لم تغادرني. ثلاثون عامًا وأنا أتناول الأدوية بشكل يومي للتخفيف من وطأة تلك الصدمة، في تذكير دائم بأن بعض الجراح لا تندمل، بل تتعايش مع الإنسان كجزء من يومياته.
وعلى الصعيد القانوني والسياسي، خلصت تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)  والقضاء الأميركي إلى أن الهجوم تم بتوجيه ودعم من عناصر في الحرس الثوري الإيراني. وفي عام 2020، أصدرت محكمة أميركية حكمًا يقضي بإلزام إيران بدفع تعويضات لأسر الضحايا، وقد تم بالفعل تحصيل أجزاء من هذه التعويضات عبر مصادرة أصول إيرانية مجمدة.
ولا يغيب عن ذهني أنه بعد 14 عامًا من الحادث، وتحديدًا في 27 يونيو 2010، كنت في طهران ضمن وفد رسمي لمناقشة العلاقات التجارية. وآنذاك، كانت ضمن مسؤولياتي إدارة العلاقات الدولية في غرفة تجارة وصناعة البحرين. كانت التعليمات واضحة ومباشرة: نحن ذاهبون إلى طرف “لا يحسن الجوار ولا يملك أدب الحوار”.
بعد انتهاء الاجتماعات، خرجت مع أسرتي التي رافقتني، وتوجهنا إلى حديقة عامة كبيرة في طهران، مرتديا الثوب العربي دون غطاء الرأس. لم تمضِ لحظات حتى بدأت نظرات الاستهجان والازدراء تلاحقني، بل وتعرضت لشتيمة مباشرة من أحد المواطنين. لم أفهم الكلمات كاملة، لكن كلمة “عرب” كانت واضحة بما يكفي. حينها تدخل رجل عربي كان حاضرًا، موضحًا لي ما قيل، ومعلقًا بمرارة: لماذا خرجت بالثوب العربي؟ انظر ماذا حصل لك!.
في تلك اللحظة، استحضرت التحذير الذي سمعته قبل السفر، وتأكدت من معناه: لا حسن جوار، ولا أدب في الحوار.
اليوم، وبعد مرور ثلاثين عامًا على تفجير أبراج الخبر، لا تزال التحديات قائمة، وإن اختلفت أشكالها. فدول مجلس التعاون الخليجي، رغم حرصها على الاستقرار والسلام، تواجه اعتداءات ومحاولات مستمرة لزعزعة الأمن. ومع ذلك، فإن يقظة هذه الدول وتكاتفها، بفضل الله، شكّلا سدًا منيعًا في وجه هذه التهديدات.
إنها تجربة شخصية، لكنها تعكس واقعًا أوسع من مجرد حادثة عابرة. إنها قصة ذاكرة لا تنسى، وصمود إنسان في مواجهة الألم، وإيمان راسخ بأن الأمن ليس أمرًا مسلّمًا به، بل هو ثمرة وعي وتكاتف دائمين.
اللهم احفظ أوطاننا، واكفنا شر كل معتدٍ، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار.

 

*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية