العدد 6455
الأربعاء 17 يونيو 2026
من الجمود الإداري إلى الريادة التشريعية: قصة تعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتنافسيتها المستدامة
الأربعاء 17 يونيو 2026

 خلال فترة عملي مديرًا لإدارة شؤون اللجان في غرفة تجارة وصناعة البحرين، واجهنا تحديًا تنظيميًّا كبيرًا؛ حيث كانت لجنة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى مسار واضح لعملها بسبب غياب “تعريف رسمي” يحدد هوية هذه المؤسسات في مملكة البحرين. وعلى الرغم من مخاطبتنا المتكررة لوزارة الصناعة والتجارة لتزويدنا بتعريف دقيق لهذه الفئة، إلا أننا لم نتلقَ استجابة شافية تنهي حالة الجمود الإداري تلك.
أمام هذا الواقع، قررتُ تبني استراتيجية “المبادرة بدلاً من الانتظار”؛ فاقترحتُ على اللجنة تنظيم فعالية وطنية كبرى تهدف إلى صياغة استراتيجية موحدة وتنمية هذه المؤسسات ورسمتُ الإطار العام لها. وبالفعل، عُقدت الفعالية في 11 فبراير 2009، وشهدت نقاشات مكثفة بمشاركة جهات دولية ووطنية كمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) وصندوق العمل (تمكين)، بهدف توحيد الرؤى المشتتة بين الجهات الحكومية والتمويلية؛ ومن أهم أوراق العمل المطروحة في الندوة كانت ورقة تختص بتعريف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

الأمر الواقع المؤسسي وصناعة التشريع
لقد نجحنا من خلال هذا التحرك الاستباقي في خلق ضغط مهني وفني، أثمر عن تحفيز الوزارة على الخروج من دائرة الصمت وإصدار تعريف رسمي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بطريقة “فرضها الأمر الواقع المؤسسي”. فكانت هذه الندوة، بما حملته من أوراق عمل رصينة، هي القاعدة الصلبة والغطاء التشريعي الذي استندت إليه الوزارة لإقرار القرار الوزاري رقم (117) لسنة 2010.
هذا القرار لم يكن مجرد نص تنظيمي، بل كان تحولاً جذريًّا اعتمد المعايير والتعريفات التي توافقنا عليها وطرحناها في فعاليتنا، مما أدى إلى وضع الحجر الأساس لـ : 
تصنيف دقيق للمؤسسات: (متناهية الصغر، صغيرة، ومتوسطة) بناءً على معايير العمالة ورأس المال.
 توجيه الدعم لمستحقيه: توفير مرجعية قانونية واضحة لجهات مثل “تمكين” وبنك البحرين للتنمية لدعم وتنمية المشاريع.
 بناء قاعدة بيانات وطنية: توثيق حجم السوق وتوفير بيانات شاملة تخدم الاقتصاد الوطني.
امتداد الرؤية: من التأسيس إلى التطوير والاستدامة
واليوم، ومواصلةً لهذا الإرث التشريعي والتنظيمي، ترحب غرفة تجارة وصناعة البحرين بتطوير هذا التصنيف وتحديثه بما يواكب المتغيرات الاقتصادية الراهنة. إن هذا الترحيب ينطلق من ذات العقيدة المؤسسية التي تؤمن بأهمية تعزيز تنافسية هذه المؤسسات واستدامتها في السوقين المحلي والإقليمي.
إن تطوير التصنيف في الوقت الراهن ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استكمال للمسيرة الاستباقية التي بدأناها عام 2009؛ لضمان مرونة القطاع الخاص وقدرته على مواجهة التحديات المستقبلية، وفتح آفاق جديدة للابتكار والنمو.
وخلاصة القول: إن هذا الموقف الممتد عبر السنوات يؤكد أن الدور القيادي داخل الغرفة لا يقتصر على تنفيذ الأوامر أو الاكتفاء بالوضع الراهن، بل يكمن في القدرة على صناعة القرار، وتوجيه البوصلة الحكومية، والمبادرة المستمرة لتطوير البيئة التشريعية بما يضمن ريادة وتنافسية القطاع الخاص البحريني.

* مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية