العدد 6475
الثلاثاء 07 يوليو 2026
بناء المؤسسات لا وفرة الثروات... سر تفوق الأمم وفلسفة التحول من الريع إلى الإنتاج
الثلاثاء 07 يوليو 2026

أضحى مفهوم التنمية الشاملة المستدامة هاجسًا حيويًّا يقض مضاجع الحكومات والمجتمعات على حد سواء. ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل في مسيرة التطور البشري المعاصر، هي تمكن دول عديدة لا تملك أية موارد طبيعية من تحقيق نجاحات تنموية باهرة، في المقابل الذي أخفقت فيه دول أخرى تسبح فوق بحار من الثروات الطبيعية. هذا التباين الصارخ يفرض علينا تساؤلاً جوهريًّا، ويستدعي مراجعة تاريخية وتشخيصية لخططنا التنموية الخمسية، بدءًا من الخطة الأولى (1976 - 1980) وصولاً إلى الرؤى المستقبلية الحالية.

اللغز المؤسسي
قبل الخوض في أسباب النجاح والإخفاق، يجب التمييز الحاسم بين “النمو” و”التنمية”. فالنمو مجرد زيادة كمية في الأرقام ومعدلات الناتج المحلي الإجمالي، بينما التنمية هي تحول هيكلي عميق في نمط الحياة، والقدرات الوطنية، وبنية الاقتصاد. في كتابهما الشهير “لماذا تفشل الأمم”، يرفض الباحثان دارون أسيموجلو وجيمس روبنسون تقسيم العالم إلى أغنياء وفقراء بناءً على الجغرافيا أو المناخ أو الثروة، بل يعيدان الفارق بالكامل إلى كفاءة المؤسسات الاقتصادية والسياسية.
إن تجارب الدول التي قفزت إلى مصاف الدول المتقدمة بلا موارد تؤكد أنها بدأت بـ “بناء الإنسان”؛ حيث أوجدت طبقة كفاءة عالية من الخبراء الوطنيين عبر تأهيلهم في أرقى الجامعات العالمية، توازى مع ذلك إرساء جهاز إداري رشيد، منخفض التكلفة، وبيروقراطية شبه منعدمة، مع نظم صارمة للحوكمة والمساءلة والمحاسبة.

فجوة التنفيذ
بالنظر إلى المسيرة التنموية المحلية، نجد أن جميع الخطط الخمسية المتعاقبة منذ سبعينيات القرن الماضي نادت بضرورة تنويع مصادر الدخل، والحد من الاعتماد على النفط والغاز، وتأسيس اقتصاد قائم على المعرفة، وتوطين الوظائف عبر منظومات تعليمية مرنة. ورغم وفرة المؤهلات الطبيعية من معادن، وثروات سمكية وزراعية، وموقع جغرافي استثنائي، إلا أن الفجوة بقيت واسعة بين المخطط والمتحقق، وظل الإنفاق الحكومي رهينًا لتقلبات أسعار الطاقة الناضبة.
إن تشخيص الأمراض الاقتصادية هو نصف طريق العلاج، تمامًا كما هو الحال في الطب الحديث الذي انتقل من التشخيص بالنظر واللمس إلى استخدام أدوات الفحص الجيني والمناظير الدقيقة. وتكرار الأزمات الاقتصادية لدينا يعني أننا بحاجة إلى تفكير خارج الصندوق لتشخيص “فجوة التنفيذ”؛ إذ لم تكن المشكلة يومًا في جودة صياغة الاستراتيجيات، بل في الشوائب التي تحيط بتطبيقها.

التفاؤل الساذج
يمكن حصر الإخفاق في تطبيق السياسات التنموية في أربعة مسارات رئيسة: غياب أنظمة الحوكمة والرقابة المستقلة أثناء التنفيذ، وغياب مؤشرات القياس الدقيقة، وضعف التنسيق الأفقي والرأسي بين الوزارات، والإفراط في “التفاؤل الساذج” الذي يرتكز على الأمنيات بدلاً من الحقائق الموضوعية.
هذا التفاؤل المفرط يغذيه عدم الإلمام بالتحديات الحقيقية، وإخفاء المخاطر رغبةً في تحقيق شعبية مؤقتة، أو الهروب من مواجهة البيروقراطية. والأخطر من ذلك هو غياب ثقافة الاعتراف بالخطأ، وتسيير العمل في صوامع إدارية معزولة، ترحّل المشكلات إلى الأجيال القادمة عوضًا عن حلها.

خارطة طريق
للانتقال من “الاقتصاد الريعي” إلى “الاقتصاد الإنتاجي” في إطار رؤية “عمان 2040”، يجب صياغة الممكنات كمنظومة متكاملة لا يقبل أي جزء منها الانعزال عن الآخر، من خلال مسارات مترابطة:
 المحركات التنموية كبيئة تجريبية: لا ينبغي النظر إلى المشاريع الكبرى مثل “ميناء الدقم” كمجرد مرافق لوجستية، بل كبيئات تجريبية للاقتصاد الجديد، والمستهلك الأول لمخرجات التعليم الحديث.
 إعادة هيكلة التعليم (التعلم الهندسي): التحول من مناهج الحفظ إلى “التعلم القائم على حل المشكلات”، بحيث ترتبط التخصصات التقنية مباشرة بتحديات المشروعات القائمة كالصيانة الذكية وسلاسل الإمداد.
 إعادة هيكلة سوق العمل: إنهاء ثقافة الوظيفة الحكومية المضمونة، وربط الأجور بالإنتاجية لا بالأقدمية، ما يخلق جاذبية طبيعية للكفاءات نحو القطاع الخاص.
 دولة المنظِّم والممكِّن: تحول الجهاز الإداري من دور “التنفيذ والإدارة المباشرة” إلى دور “التخطيط والرقابة وفتح المجال للمبادرات الفردية والاستثمارات الأجنبية”.

خاتمة لابد منها
إن الاستراتيجيات لا تنجح أو تفشل لذاتها، بل بكيفية تنفيذها، والأدوات والقرارات هي التي تحدد النتائج، ولحماية رؤيتنا المستقبلية يتعين تشكيل “مراكز مستقلة لدعم التنفيذ” تعمل جنبًا إلى جنب مع الحكومة لمراقبة الأداء وتطبيق مبدأ المسؤولية. إن بناء اقتصاد مستدام في عالم مليء بالتحديات والتحولات التكنولوجية لم يعد خيارًا رفاهيًّا، بل هو مسألة وجود تستدعي نتائج ملموسة على أرض الواقع.

كاتب عماني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .