العدد 6397
الإثنين 20 أبريل 2026
محمد جابر الأنصاري.. المفكر الذي واجه “وهم التوافق” وكشف عن أزمة العقل العربي
الإثنين 20 أبريل 2026

رحل عن عالمنا مع نهاية العام 2024، المفكر البحريني الكبير الدكتور محمد جابر الأنصاري، تاركا خلفه فراغا لا يملؤه إلا تراثه الضخم الذي شيّده على مدار عقود. غادرنا عن عمر ناهز 85 عاما، قضاها باحثا ومحللا ومستشارا ثقافيا لجلالة ملك البحرين، وأستاذا قديرا في دراسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر. لكن الأنصاري لم يكن مجرد أكاديمي مرموق، بل كان “جراحا” للعقل العربي، يمتلك مشرطا نقديا دقيقا استطاع به تشخيص الأمراض المزمنة التي تعوق انطلاقة العرب نحو المستقبل.

مشروع نقدي يتجاوز السطح
لم يكن مشروع الأنصاري، الذي جسده في أكثر من عشرين كتابا، ترفا فكريا؛ فمنذ كتابه “تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي” وصولا إلى “مساءلة الهزيمة” و “تكوين العرب السياسي”، كان الأنصاري يرى أن ما حدث بعد نكسة 1967 لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل هزيمة فكرية أيضا، أي أن المشكلة ليست فقط في السلاح أو السياسة، بل في طريقة فهمنا للعالم، وعدم قدرتنا على التكيف مع التغييرات الدولية. كان الرجل يسعى للإجابة عن سؤال واحد مؤرق: لماذا لم ينجح العرب في بناء دولة عصرية مستقرة؟ في كتابه “الفكر العربي وصراع الأضداد”، يضع الأنصاري إصبعه على الجرح الحقيقي. هو لا يكتفي بنقد “الفكر” كمنظومة مجردة، بل يربطه بـ “الواقع” في جدلية ذكية. يرى الأنصاري أن الاكتفاء بنقد الفكر دون ربطه بالواقع يجعلنا نتعامل مع نصوص مغلقة انفصلت عن زمانها ومكانها. لذا؛ كان مشروعه يسير في خطين متوازيين: نقد الذهنية، ونقد البنية المجتمعية.

وهم “التوفيقية” وفخ اللاحسم
أهم ما كشفه الأنصاري في تشخيصه هو ما أسماه “حالة اللاحسم”؛ فنحن العرب، كما يرى، نهرب من المواجهة الفكرية إلى “توفيقية سطحية” محيرة. نحاول دائما التوفيق بين الأصولية والعلمانية، بين التراث والغرب، وبين الحداثة والتقليد، وبين الدولة العصرية والدولة المعاصرة، دون أن نصل إلى حسم تاريخي يحدد هويتنا ومسارنا.. هذا “التلفيق” لا “التوفيق” هو الذي أدى بنا إلى ما نحن عليه. يقول الأنصاري بمرارة: “أليس من الأفضل مواجهة واقع الصراع فكريا قبل استفحاله، بدلا من الوقوع في التناقض المفجع بين بنية ذهنية فوقية توحي بالاتفاق، وبنية تحتية مجتمعية تعاني التصدع والانشقاق؟”.

لا نحسم خياراتنا بشكل واضح.. والنتيجة؟ نعيش حالة من التناقض المستمر.
يصف الأنصاري هذا الوضع كأننا نتحدث بلغة فيها اتفاق ووحدة، ولكن الواقع مليء بالصراعات والانقسامات. بمعنى آخر، نبدو متفقين.. لكننا في الحقيقة مختلفون بعمق. إننا نعيش شيزوفرينيا ثقافية؛ نتظاهر بالوفاق في نصوصنا وخطاباتنا، بينما واقعنا يغلي بالتناقضات المكبوتة التي تنفجر صراعات دموية عند أول منعطف.

شجاعة المصارحة.. البديل التاريخي
يرى الأنصاري أن قانون حياة الأمم يفرض عليها لحظات “حسم” ومواجهة. ثمة تعارضات قابلة للتوفيق، لكن ثمة صراعات لا بد لها من حسم تاريخي للوصول إلى حل. والبديل الذي طرحه الراحل يتلخص في ثلاث ركائز أساسية:
1 - المصارحة والشجاعة: الاعتراف بأننا نعيش في حالة صراع داخلي، بدلا من إنكاره خلف الأقنعة الزائفة.
2 - تجاوز التوفيقية السطحية: الإدراك بأن محاولة إرضاء جميع التيارات بصيغ لغوية فضفاضة لم تعد تجدي نفعا، بل أصبحت عائقا أمام التقدم.
3 - الربط بين الفكر والواقع: لا يمكن إصلاح العقل العربي دون إصلاح الواقع السياسي والاجتماعي الذي يغذي هذا العقل.تشخيص جريء لأزمة مزمنة
لقد كان الأنصاري يرى أن الصراع الفكري المكبوت يحتاج إلى “هزة” تعيد ترتيب الأولويات؛ فالهزائم التي منيت بها المنطقة، من صدمة 1967 وصولا إلى تحولات الألفية، لم تكن مجرد إخفاقات عسكرية، بل كانت “هزائم عقل” فشل في التكيف مع المتغيرات الدولية. في كتبه مثل “رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية” و “العالم والعرب سنة 2000”، حاول الأنصاري أن يمد جسرا بين الدين والعصر، ليس من قبيل التمسح بالتراث، بل لاستخراج الطاقة الكامنة في الرؤية القرآنية لمواجهة تحديات العولمة والتعقيد السياسي المعاصر. 

الوداع الأخير
رحل محمد جابر الأنصاري، لكن صوته سيبقى رنينا في آذان كل باحث عن الحقيقة. لقد علمنا أن النهضة لا تبدأ بالشعارات، بل بالنقد الذاتي القاسي والاعتراف بـ “الأضداد” التي تسكننا.
إن فقدان الأنصاري هو فقدان لمنارة كانت ترشدنا في ظلمات “التأزم السياسي”، ولكن، إذا كان جسده قد غاب، فإن “تشخيصه” مازال حيا، وهو بمثابة خريطة طريق لكل من يجرؤ على مساءلة الواقع العربي بروح من الشجاعة والمصارحة. (المقال كاملا بالموقع الإلكتروني).
رحم الله الأنصاري، المفكر الذي لم يخشَ كشف المسكوت عنه، وترك لنا مهمة ثقيلة: أن ننتقل من “اللاحسم” إلى “الحسم”، ومن “التلفيق” إلى “البناء” الحقيقي الذي يليق بأمة تنشد الحياة بين الأمم.

أبرز أعمال الراحل التي شكلت الوعي العربي:
• تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية: بحث عميق في بنية السلطة العربية.
• الفكر العربي وصراع الأضداد: المانيفستو النقدي لأزمة “اللاحسم”.
• مساءلة الهزيمة: مراجعة العقل العربي بعد نكسة 1967.
• تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي: قراءة تاريخية لتحولات الآيديولوجيا.

الخاتمة
إن تكريم الأنصاري الحقيقي لا يكون في رثائه فقط، بل في إعادة قراءة فكره بعين فاحصة، وتبني شجاعته في مواجهة الذات؛ فدون هذه الشجاعة، سنبقى ندور في حلقة مفرغة من “صراع الأضداد” الذي لا ينتهي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .